سامر العاني
سامر العاني
صحفي سوري مهتم بالشأن السياسي
يكتب في عدة مواقع عربية
له العديد من المقالات والتحقيقات

قرارات استراتيجية للائتلاف الوطني.. هل بدأت عملية الإصلاح؟

قاسيون ـ سامر العاني 

للمرة الأولى على مدار عامين متتاليين، يحدثني صديق في الائتلاف الوطني السوري عن قرارات استراتيجية سيصدرها رئيس الائتلاف الوطني، من شأنها إصلاح بنيته وهيكليته، مؤكّداً أنّ تلك القرارات ستطال شخصيات متنفذة وستلغي قرارات دبّرت بليل، وهيئات شُكّلت لتكون مصدر إزعاج أمام الإصلاحيين.

لم آخذ هذا الحديث على محمل الجد، فلم يمض سوى خمسة وأربعين يوماً على انتخابات الهيئتين الرئاسية والسياسية، وهذا الوقت غير كاف لتهيئة الأجواء من أجل إصدار قرارات بتلك الأهمية، إلا إذا كان الإصلاحيون داخل الائتلاف الوطني قد حرقوا المراكب خلفهم دون أي حساب للربح أو الخسارة.

لا شك أنّ الائتلاف الوطني السوري يعاني من أزمة شرعية منذ أن تشكل نتيجة صراع إرادات عربية وإقليمية ودولية، ولم تحاول قيادة الائتلاف آنذاك كسب الحاضنة الشعبية، إذ اتكأت على الاعتراف الدولي لتعزيز شرعيته، فكانت ترى أنّ اللقاءات التي تعقدها على مستوى الرؤساء والملوك هي من تمنحهم الشرعية، محوّلة بذلك المؤسسة السياسية إلى سلطة أمر واقع منفصلة تماماً عن الشارع الثائر، وهذا ما عمّق الشرخ بينها وبين حاضنتها الشعبية.

مناسبة هذا الحديث هو إدراك شخصيات داخل الائتلاف الوطنية أهمية كسب الحاضنة الشعبية بعد تراجع الاهتمام الدولي بهم، وظهور مسارات سياسية جديدة مثل أستانا وهيئة التفاوض واللجنة الدستورية وغيرها، فيما بقي أصحاب الفكر القديم يرون أنّهم الأكثر خبرة ومعرفة، وعليه فإنّ الائتلاف لا يجب أن يغيّر من طريقة تفكيره وعمله.

بالعودة إلى القرارات الاستراتيجية، فإن إصدار عدة قرارات دفعة واحدة هي سابقة في تاريخ الائتلاف الوطني، فالقرار الأول الذي يطيح بمنسق اللجنة القانونية في الائتلاف الوطني "ياسر الفرحان" يعتبر مقدمة جيدة لإنهاء تسلط الشخصيات التي دخلت أساساً بتوسعة، هدفها تعزيز نفوذ طرف على حساب آخر، ضمن معركة (الجربا – الصباغ) الشهيرة، إذ ما من مؤهلات لأعضاء كتلة الحراك الثوري التي ينتمي إليها منسق اللجنة سوى الولاء التام لإحدى الشخصيات المتصارعة آنذاك.

صحيح أنّ البديل لا يتمتّع بالكفاءة الكبيرة لمنصب منسق اللجنة القانونية، إلا أن تشكيل هيئة استشارية قانونية من خارج الائتلاف الوطني، تضم خبراء ومنظرين قانونيين قد يطوّر العمل إلى الحد المفيد والمأمول.

القرار الثاني يعكس رغبة جدية لقيادة الائتلاف الوطني بإعادة ترميم ما هدمته المرحلة السابقة، فطي قرار إحداث الهيئة الوطنية للشباب التي تشكلت كذراع لمتنفذين في المرحلة السابقة، يُفَسّر على أنّ الائتلاف بدأ ينظر بجدية إلى عدم التعدي على صلاحيات المؤسسات التابعة له، وأنّ مثل تلك الهيئات هو من اختصاص المؤسسة التنفيذية لا السياسية.

وأمّا القرار الثالث فكان طي القرار المتضمن إحداث مفوضية الانتخابات، وهذا يعني أنّ ما تحدث به رئيس الائتلاف الوطني السابق أمام الصحفيين حول إلغاء القرار لم يكن صحيحاً، ما يعني أنّ الدورة الماضية لم تتسم بالصدق والشفافية.

في ظل توقف مسار العملية السياسية بإرادة دولية فإنّه يصعب على الائتلاف تحريك هذا الملف إن لم تتفق جميع الدول على استئنافه، وتلك فرصة ذهبية لترتب المؤسسة السياسية بيتها الداخلي وتنظم العلاقة مع المؤسسات التابعة لها، حتّى تكون الملفات جاهزة والمعارضة منظّمة مع بدء تحريك العملية السياسية.

إنّ أهم ما يتوجب على الائتلاف الوطني القيام به تعزيز العلاقة مع جمهور الثورة واكتساب الشرعية من الداخل السوري، فالفرصة متاحة أكثر من ذي قبل، فبالرغم من صحّة ما قيل عن أنّ التوافق على رئيس الائتلاف الحالي كان بسبب قربه وقبوله من قبل المحيط العربي وعلى رأسه دول الخليج، ما قد يحسّن العلاقة التي قوّضتها قيادة المرحلة السابقة، وهذا أمر مهم لاشك، إلا أنّ الأهم – من وجهة نظري – أنّ رئيس الائتلاف الحالي لم يأت من كتلة سياسية أو تنفيذية أو دينية، بل جاء من كتلة العشائر التي تعتبر أهم وأكبر نظام اجتماعي في سوريا، وهذا ما قد يمهّد له الطريق للتقارب مع الحاضنة الشعبية إن ارتكزت العلاقة على الشفافية المطلقة.

بقي القول إنّ الإجراءات والقرارات الصادرة عن الائتلاف الوطني خلال خمسة وأربعين يوماً من دورته الحالية تعكس رغبة حقيقية بالإصلاح، وتلك الرغبة لن تكون واقعاً إلا إذا حققت تغييراً حقيقياً في بنية الائتلاف، ابتداءً من هيئة المرأة التي لا تختلف ظروف تشكيلها عن ظروف تشكيل الهيئة الوطنية للشباب، وليس انتهاءً ببحث جدي في إلغاء أو إعادة تشكيل كتلة الحراك الثوري التي أصبحت حجرة عثر داخل الائتلاف الوطني.