loader
يشار كمال
يشار كمال

مدير وكالة قاسيون للأنباء

ملاحظات عن الوضع في الشمال المحرر*

قاسيون ـ يشار كمال  

أتيحت لنا خلال الفترة الماضية ، فرصة التعرف على واقع الشمال المحرر عن قرب ، وذلك من خلال عملنا في التغطية المباشرة لأحداث الدوري السوري لكرة القدم ، في مدينة الباب والمدن التي حولها ، حيث أننا أسبوعيا نحظى بزيارة هذا الشمال ، ونحتك بالمجتمع المحلي ، بالإضافة إلى الاحتكاك بالسلطات المشرفة على إدارة الحياة بكافة أشكالها هناك ، وهو ما جعلنا نطلع عن كثب على الكثير من الأمور ، التي نود أن نسردها هنا كملاحظات ، قد تفيد أولئك المقيمين في خارج سوريا ، ويعتقدون أن الحياة في تلك المناطق جحيم لا يطاق .

بداية لا بد أن أسجل استغرابي ، لدى أول زيارة إلى مدينة الباب ، في إطار الاستعدادات لعملية التغطية المباشرة للمباريات ، وكان ذلك قبل أكثر من شهرين ، أنني فوجئت بحجم الأشغال في البنية التحتية التي يتم العمل عليها هناك ، بمساعدة الدولة التركية ، والعديد من الدول المانحة ، حيث أن المنطقة أشبه ما تكون بورشة عمل كبيرة على كافة الأصعدة : في مجال إنشاء الطرقات ، و المؤسسات التي تخدم الحياة الاجتماعية هناك، في مجال الصحة والكهرباء والمياه والتعليم والانترنت ومحطات الوقود والأفران ، ناهيك عن الحركة التجارية النشطة ، حيث تتوفر جميع المواد والسلع ، و بأسعار تعادل النصف تقريبا ، بالنسبة لأسعار تركيا .

طبعا الأسعار ليست مؤشرا على جودة الحياة هناك ، لأن مستوى الدخل لا يمكن مقارنته بتركيا ، بل إن مجرد توفر كافة السلع والخدمات ، هو بحد ذاته أمر جيد ، بالمقارنة مع المناطق التي يسيطر عليها النظام .. إذ أن السوريين هناك ، يمضون سحابة يومهم ، في الانتظار على طوابير الخبز والمحروقات والزيت والسكر والرز ، ووسائل النقل ، ويتقاضون أجورا ورواتب ، لا تكفيهم لسد حاجتهم من الخبز ، و دون أدنى مساعدة من الدولة أو من المنظمات الإنسانية ، بينما على العكس تماما ، يمكننا القول ، إن السوريين في مناطق الشمال المحرر ، مستورة أمورهم ، ويعملون بشتى المهن ، ويتقاضون أجورا تتناسب إلى حد كبير مع الأسعار ، هذا بالإضافة إلى تواجد العديد من الجمعيات الإنسانية والخيرية ، التي تعنى بالأسر غير القادرة على تأمين حاجتها من الغذاء والعلاج وغيرها من الحاجيات الأساسية .

ويبقى الأمر الأهم بنظر الكثيرين بالنسبة للشمال المحرر ، هو الجانب الأمني ، وخصوصا بالنسبة للمراقب المقيم خارج سوريا ، حيث أن وسائل الإعلام لا تنقل عن هذا الشمال أية أخبار ، إلا فيما يتعلق بعمليات الاغتيال والتفجير ، التي تحدث بين الفترة والأخرى ، الأمر الذي يجعل البعض يتصورون ، بأن الناس هناك تمشي وتتطلع حولها ، أو أنها تضع يدها على سلاحها باستمرار … ولا أخفيكم كنت أحد أولئك الذين يحملون هذه التصورات عن الوضع في تلك المناطق ..

 غير أن زياراتي المتكررة كشفت لي جانبا مهما حول هذا الأمر ، وهو أن مستوى الأمن والأمان ، ليس كما يتخيله البعض ، بأنه مفقود بشكل كامل ، وإنما الحياة تسير بشكل عادي هناك ، ولا أحد ينتظر الخطر الوشيك في كل لحظة ، بهذه الصورة المكرسة عن الشمال المحرر .. بل إن أحاديث الناس هناك تشعر بأنها مفعمة بالأمل عن مستقبل زاهر ينتظر تلك المناطق ، فهم لا يترقبون أي خطر ، إلا عندما يتعلق الأمر بأخبار تتحدث عن هجوم قوات النظام عليهم ، وأسوأ خطر يتوقعونه هو عودتهم إلى سلطة هذا النظام ..

وقد أتيحت لي فرصة اللقاء مع قيادات الشرطة في مدينة الباب ، وغيرها من القيادات المحلية المجتمعية ، وكان محور حديثنا ، هو حالة الفلتان الأمني ، أو ما يخرج من أخبار عن الشمال المحرر ، لا تغطي سوى هذا الجانب .. وخلال الحديث اتضح أن الجهات الأمنية والشرطية هناك تقوم بجهود كبيرة لضبط الأمن ، ومنع وقوع الأحداث المؤسفة المتعلقة بعمليات الاغتيال ، حيث أخبرني قائد الشرطة في المدينة أن الأيام القادمة سوف تشهد ضبطا كبيرا للأمن ، وإلقاء للقبض على الكثير من منفذي هذه العمليات ، مشيرا إلى أن حجم الضغوط التي يتعرضون إليها كبيرة جدا ، وخصوصا أن الأعداء المتربصين لإفشال إدارة تلك المناطق ، كثر ، بدءا من النظام وانتهاء بـ "قسد" ومرورا بروسيا وإيران ، والعديد من مخابرات الدول الغربية .

وأكد قائد الشرطة المدنية في مدينة الباب ، أن الوضع في الشمال المحرر هو في تحسن مستمر ، وهذا دليل على أن الأمور أفضل من السابق ، وليست أسوأ ، وهو ما يشير بحسب قوله إلى أن الأمور تسير في الطريق الصحيح ، وإن كان ببطء .

أخيرا ، لا يسعنا القول ، سوى أن الشمال المحرر بحاجة إلى تغطية إعلامية منصفة ، لأن الوضع هناك ليس أسودا كما يصوره البعض ، بل فيه الكثير من النقاط المضيئة والجميلة ، والمبشرة بالخير ، وأكبر دليل على ذلك هو الدوري السوري لكرة القدم في الشمال المحرر .. فلا يمكن لمنطقة مفقود الأمن فيها بشكل كامل ، أن تنجح بتنظيم مثل هذا الدوري .. بل هذا دليل على أن الحياة هناك قائمة بكافة مستوياتها ، كما وينتظرها مستقبل ، قد يكون علامة فارقة في الوضع السوري ..