loader
مروان الحريري
مروان الحريري

كاتب لبناني ، وباحث في مجال علم النفس .. له عدة أبحاث في التأمل والصوفية والفلسفة وعلم النفس .. 

ماذا تعرف عن: نفسي؛ أنا؛ والآخر؟*

قاسيون ـ مروان الحريري

هناك ثلاث شخصيات ليس بينها توافق تؤثر على الأفراد وعلى تصرفاتهم في كل ميادين الحياة، وكل منّا يحمل خليطاً منها و بنسب مختلفة.

هذه الشخصيات هي: شخصية المربّي، شخصية الطفل وشخصية الناضج.

-المربّى: هو من يزرع في نفس الطفل مشاعره واعتقاداته وسلوكه، حتى يصبح هذا الطفل مثله.

فهو السلطة المطلقة والآمر الناهي؛ وبما ان شخصيته تمثل القوة والسيطرة؛ يطمح لها الطفل ويتأثر بها وتصبح مثاله الأعلى، فيتشرب كل ما يمليه المربّي عليه، ويتصرف من خلال انطباعاته عن مربيه.

-الناضج: هو الشخص المستقل، الفضولي، الدؤوب في البحث عن الحقيقة والمثل، يواجه عيوبه وتناقضاته ويراقب تصرفاته ويقيمها ويعمل على اصلاحها في كل وقت وكل ظرف ومناسبة، كي يتعايش مع الآخرين بناء على مفاهيم اجتماعية مقدسة.

ويقال عنه ناضج لان مفاهيمه عبارة عن نتائج تجاربه الاجتماعية التي خبرها ودقق بها، بحيث انه لا يغض الطرف عن أي عيب يراه في تصرفاته وفي كل من المربّي والطفل في داخله.

البعض منّا يتبنى شخصية المربّي الفوقية ويطمس شخصيتي الناضج والطفل معاً.

- والبعض الآخر يتقمص شخصية (الطفل) ، الذي لا يرى عيباً في سلوكه، ولا يضع اي قيود لنفسه ولتصرفاته، ويستهزئ بالمربّي وبالناضج في آن واحد.

هناك أشخاص يعتنقون نسبة متساوية من الشخصيات الثلاث، أحياناً تراه ناضجاً، وأحياناً كالطفل، وأخرى كالمربّي، وبذلك هو يتمتع بشخصية غريبة فوضوية(désordre de la personnalité multiple) يغيرها وفقاً للظروف ومزاجه.

هنا أود أن أوضح هذه الظاهرة باستعارة فلسفة هاربيرت مد(Herbert Mead) وتشارلز ساندرز بيرس(Charles Sanders Peirce) وجون دوي(Jhon Dew) ويعتبر هؤلاء في طليعة فلسفة البراغماتيزم(Le pragmatisme)"1"

وقد توصلوا إلى مفهوم مشترك للطريقة التي يتبعها الإنسان في سلوكه، وحل مشاكله بكل انواعها.

ونظريتهم هي التالية: ان سلوك الأنسان هو نتيجة حوار بين "انا"؛ "نفسي" و"الآخر"

وفي الشرح يقول هؤلاء الفلاسفة: ان "نفسي" تمثل شخصيتي كما هي الآن وهي نتاج تجاربي منذ الطفولة.

"انا" تمثل وعيي وحضوري فكراً وقالباً في لحظة الاختيار لحل مشكلة أو في سلوك معين.

أما "الآخر" فهو يمثل المجتمع وعاداته وتقاليده. مثلاً: عندما "الأنا" تطلب تحقيق رغبة معينة اوعملاً ما، عليي ان استشير

" الآخر"، فهو يمثل المجتمع قبل أن اتصرف. وهذه القاعدة نتعلمها ابتداءً من سن السابعة ونحترفها في سن العاشرة.

اي طفل قبل أن يقوم بعمل ما يفكر بردة فعل ابويه فإذا أدرك أنهما سيعترضان ويغضبان يتراجع عن فعله فوراً.

"الآخر" او المجتمع، يبدأ بآلام والأب حيث كل منهما يلقن طفله التمييز بين السلوك الصالح والسلوك السيء كذلك بين الخير والشر.

في نهاية الأمر يرتكز على"نفسي" التي تحتوي على كل ترسبات الطفل وليس على "الأنا" الذي تمثل الناضج، أو "الآخر" الذي يمثل المربّي.

إن الشخص الذي يتبنى ويتقمص شخصية الطفل يكون انساناً غير مسؤولاً عن سلوكه، فيطلق العنان لمشاعره التي تتحكم به

 وهو لا يعرف الصبر، حيث يرغم الآخرين على تحقيق رغباته ولا يهتم لاحاسيسهم وردات أفعالهم.

كل منا له طفله الذي يعيش بداخله.

إن للطفل اسلوبه الخاص فهو لا يأخذ بالاعتبار حقوق الآخرين، حتى لو تسبب لهم بالضرر، ولا يهتم بتأثير أفعاله عليهم ولا بنتائجها.

المربّي، يأخذ على عاتقه تربية الآخرين وتوجيههم لانه يظنهم بحاجة للتوعية والتوجيه فيدعي انه الأصلح والأكثر معرفة وتجربة وينهال عليهم بالنصائح ويتدخل بشؤونهم منتهكاً خصوصياتهم.

الناضج يضع حدوداً صارمة لنفسه ولا يعير اهتماماً لكل من الطفل والمربي ولا ينصاع لهما.

يحافظ على سلوكه الثابت مع الكبير والصغير ويتعامل مع الجميع من خلال أحترامه لحقوقهم المقدسة، وللحفاظ على الانسجام الاجتماعي والسلام في علاقاته.

انه من الطبيعي ان ينضج الطفل، قبل أن يصبح مربياً، وان يتعلم المربّي من تجربة طفولته ويزرع في طفله بذور النضوج وروح المسؤولية في تصرفاته، ليس من موقع القوة والسيطرة، بل من أجل منحه الثقة دون ممارسة الضغط عليه.

إن من أخطر الشخصيات!!! تلك التي يتقمصها البعض، وهي خليط بين شخصية المربّي وشخصية الطفل، حيث يتصرف كالمربّي مع الضعيف؛ وكالطفل مع القوي ونقول في هذه الحالة علينا وعلى الدنيا السلام.....

"1" - البراغماتية هي نهج فلسفي يقيم النظريات أو المعتقدات من حيث نجاح تطبيقها العملي. هذا التقليد الفلسفي وضع في الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر. ويعتبر تشارلز ساندرز بيرس مؤسس هذا التقليد. ويليام جيمس، جورج هوبيرت ميد وجون ديوي أيضا أنصارها الرئيسيين. فالفكر هو دليل للتنبؤ وحل المشاكل والعمل. إن العواقب العملية لعمل أو فكر هي المكونات الرئيسية للبراغماتية.