loader
عادل قطف
عادل قطف

كاتب سوري وإعلامي وخبير في مناطق الشمال السوري المحرر 

أفكار عن الشمال السوري المحرر

قاسيون ـ عادل قطف  

نكذب على أنفسنا إذا قلنا إن الحياة في الشمال السوري المحرر ، وردية ، والعصافير تزقزق فيها من كل الاتجاهات ، وبأنه لا ينقصها سوى أن يحل بشار الأسد وعصابته عن ظهرها ، بل الحقيقة ، أن الحياة في هذا الشمال ملآى بالصعوبات والتحديات الكثيرة ، بدءا من الجانب الأمني ، وانتهاء بالجوانب المعاشية وقطاع الخدمات وغيرها من الأمور ، التي تساعد الناس على التمسك بالمكان والدفاع عنه .

وإذا أردنا أن نفرد الأفكار للحديث عن الصعوبات التي يعانيها هذا الشمال ، فإننا بحاجة إلى عشرات الصفحات ، بل ربما إلى مئات ، لأن الأمر يختلف بين منطقة وأخرى .. فما يعانيه الناس في مدينة الباب مثلا لا يشبه معاناة غيرهم في مدينة جرابلس أو عفرين أو إدلب .. إلخ ، بل تكاد كل منطقة من هؤلاء أن تكون منعزلة بهمومها ومشاكلها عن المنطقة الأخرى ، بحيث أن الانتقال من واحدة لأخرى أحيانا ، يشبه الانتقال إلى بلد جديد ..

لذلك لا يجدر بنا أن نتعامل مع مسألة الشمال السوري بطريقة "الدوكمة" ، لأن هناك مناطق في إدلب مثلا ، تعيش في ظروف جيدة من كافة النواحي ، ولا ينقصها سوى وقف التهديد القادم من الطيران الروسي وطيران بشار الأسد ، لكن هذا الكلام لا يمكن سحبه على مناطق أخرى ، التي يعاني قاطنوها من ظروف معاشية وخدمية صعبة ، ناهيك عن الظروف الأمنية المربكة ، التي تشكل لوحدها مشكلة عويصة ، يصعب معها التفكير بالحياة المعاشية من أساسها ..

وبطبيعتي لا أحب أن أنشر التشاؤم والسوداوية ، وكل ما أكتبه عن شؤون الشمال المحرر ليس الهدف منه التشهير وبث الإحباط في نفوس الناس ، وإنما أهدف منه الإصلاح ، انطلاقا من مسؤوليتنا الثورية ، في البناء وليس للهدم ..

لذلك أرى ، بأن ما يواجهه هذا الشمال من صعوبات في كافة المجالات ، إنما سببه بالدرجة الأولى ، هو كثرة الفصائل العسكرية التي تتحكم به ، بالإضافة إلى حواجزها الكثيرة ، التي تحد من حركة الناس في التنقل ، كما تحد من الحركة التجارية والاقتصادية ، التي يمكن أن تساعد على تنمية هذا الشمال وتطويره وجعله نموذجا يحتذى .

دعونا لا نختبئ وراء أصابعنا ونعترف ، بأن الصورة التي ينقلها قاطنوا هذا الشمال اليوم ، شديدة القتامة لمن هم في الخارج وبشكل لا يساعد الناس على العودة ، سواء بأموالهم أو غيرها ، والمساهمة في إعادة البناء وضخ روح جديدة في هذا الشمال .. بل لو أجرينا اليوم استطلاعا في هذا الشمال ، لخرجنا بنسبة مرعبة عن أولئك الذي يرغبون بمغادرته ولو إلى المجهول ..

من هذا المنطلق ، أقول بأننا جميعا معنيون بالبحث عن صيغة تعيد للناس الأمل بالبناء من جديد ، سواء لمن يعيشون في هذا الشمال ، أو يعيشون خارجه ، وبالذات في تركيا .. فيجب أن نعمل جميعا على إعادة ترتيب البيت الداخلي لهذا الشمال ، من كل النواحي ، المدنية والعسكرية والخدمية والاقتصادية والاجتماعية ، ويكون ذلك من وجهة نظري ، عبر التنظيم والتفاهم بين كل الفصائل التي تتحكم في هذا الشمال وتسيطر عليه ، وتوجيه الجهود لتطوير الحياة الاقتصادية قبل كل شيء ، دون إغفال الجانب الأمني بالطبع ، فهو كما ذكرنا سابقا ، هو الأساس في الاستقرار والعمل ..

وبرأيي لا يكون ذلك سوى من خلال تشجيع السوريين في الخارج من رؤوس الأموال ، لكي يساهموا بعملية التنمية ، عبر مشاريع واستثمارات مفيدة ، في مجالات البنية التحتية والصناعة والزراعة والبناء ، تساعد في تشغيل أكبر عدد من الناس ، وتحمي أسرهم من العوز ، ومن التفكير في الهجرة مجددا .

أرجو أن تكون هذه الفكرة بمثابة دعوة صادقة ، مني لكل من يعنيه أمر الشمال المحرر ، ويرغب أن يكون نموذجا يبنى عليه ، عندما تعود سوريا إلى أهلها ويعودون إليها .