loader
مروان الحريري
مروان الحريري

كاتب لبناني ، وباحث في مجال علم النفس .. مقيم في فرنسا .. يتقن الفرنسية والإيطالية .. له عدة أبحاث في التأمل والصوفية والفلسفة وعلم النفس .. 

جبران وقدسية النفس

قاسيون ـ مروان الحريري

جبران خليل جبران جعل النفس شغله الشاغل؛ القى الضوء على نماذج من النفوس، التي ارتكبت أخطاء ترتقي إلى حد المعصية؛ ليس لأنها نفوس شريرة، بل لان ظروفها الاجتماعية كانت فوق طاقتها وتحملها، فهي لا تستحق العقاب، وليس من طبيعتها فعل الاذى والشر، هي اصلاً نفس بريئة.

وقد توج جبران فلسفته في العلاقات الإنسانية في كتابه "النبي" الذي حاول من خلاله شرح مذهب جديد في الإنسانية لا يتناقض مع التعاليم الدينية السماوية.

واعتبر النفس في كتابه شيئاً مقدساً في الإنسان، كونها تحتوي على وعيه المسؤول عن علاقاته الاجتماعية، وعن تكريس الإنسانية كضامن لاستمراريتها.

عندما تتألم نفس تؤثر على النفوس المحيطة بها بشكل سلبي.

النفس كالذرة او كالخلية في الجسم؛ الذرة لا يمكن وجودها بعزلة، كما إن الخلية تموت حين تعزل عن بقية الخلايا؛ الشجرة تعطي البذرة ولكن البذرة تحتوي في داخلها على شجرة عظيمة؛ الجزء في الكل والكل في الجزء.

النفس اجتماعية وتستمد قوتها وغذاءها من النفوس المحيطة بها؛ لذا النفس الوحيدة المعزولة تتعذب.

في عصرنا الحاضر وضمن مجتمع مفكك النفس تتعرض لضربات تهدد وجودها وسلامتها وقدسيتها.

إن الشك بكل القيم ونكران المسؤولية، ولَوم الآخرين،وفقدان الثقة بهم، والإنانية، وفرض حقوق وهمية على الآخرين تعتبر من علامات التفكك الاجتماعي التي يعاني منها المجتمع في أيامنا هذه.

الانترنت والاعلام الاجتماعي الالكتروني حلا.َّ مكان العلاقات الإنسانية التي كنا ننعم بها في السبعينات والستينات. ليس هذا فحسب، بل أصبح الإنترنت والإعلام الاجتماعي يوهما الفرد على حساب نفسه الرقيقة الشفافة بأهمية نفسه وقدرته المعنوية، بمجرد نشر صوره او اعلاناته الشخصية التي تمنحه الشعور بالاهمية والوجود والاكتفاء الذاتي الكاذب، وبالتالي بأنه لا يحتاج للآخرين. بيد ان عدد الإصابات بالأمراض النفسية في المجتمع قد تجاوز أضعاف ما كان عليه قبل الانترنت.

نظراً لهذه الظاهرة التي استحدثت مؤخراً والتي حرمتنا من هالة الأشخاص المحيطين بنا وبقوتهم وطاقاتهم الايجابية التي تمنحنا القوة والثبات والثقة والعطف والشعور بالحب الحقيقي.

تؤكد الأبحاث العلمية أن التفكك الاجتماعي لا سيما التفكك العائلي وعدم الحفاظ على صلة القربى والدم، والفساد التربوي اضعفوا القيم الإنسانية وادوا إلى انتشار الأمراض النفسية ؛ إضافة إلى الضغوطات الاقتصادية تصبح النفس اكثر عرضة للخطر وتصبح اشبه بزورق يتخبط في خضم المحيط، على متن امواج الخوف، القلق والوحدة، وبالتالي خطر الانحراف نحو الشذوذ الأخلاقي والنفسي.

أثبتت بحوث جديدة حول طبيعة نمو الغابات، إنه ولدى تيبس شجرة وتوقف نموها في الغابة تقوم بقية الأشجار المحيطة بها بعملية امتصاص ما تبقى فيها من غذاء، وكل شجرة على حسب حاجتها؛ وعندما تنبت شجيرة صغيرة تمدها جذور الأشجار المحيطة بها بالغذاء حتى تنمو وتصبح قوية مثلهم.وبهذه الطريقة تستمر الغابات في نموها وتحصين بقائها واستمرارها.

الطبيعة سميت كذلك لأنها لا تعرف الشذوذ؛ الإنسان جزء من هذه الطبيعة لكنه يشذ بغروره ورغبته بالسيطرة.

النفس تنمو وتستمد قوتها وسلامتها من النفوس المجاورة التي تعانقها وتحضنها، علماً أن المجتمع هو مجموعة من النفوس، والنفس المسؤولة الناضجة لا تنمو الا في مجتمع مسؤول وناضج.

المجتمع الذي يعترف ويؤمن بأنه جزء من محيطه الطبيعي يقدس النفس ويمنحها أعلى قيم الإنسانية كذلك يمنحها الحب ، الحنان ، الاحترام ، التقدير والاحتفاء بولادتها.

ويقدر كل عمل تقوم به مهما كان متواضعاً، ويعتبرها نواة تملك في بطنها مستقبلاً حافلاً بالابداع.

كل نفس تولد وفيها جمال والهام روحي خلاق وثقة مطلقة بقدراتها، ولكن حين يصيبها المرض؛ ليس لأنها نفس شريرة، بل لان المجتمع نزع منها الثقة وتفه قدراتها بل وحقر معجزتها وقيمتها المقدسة.

ويعتبر الاستهتار بالنفس هو جريمة بحق الطبيعة البشرية وضد الإنسانية.

يشبه جبران المربيٍّ بقوس في يد الحياة، والطفل بالسهم، موضحاً أن الحياة تحب القوس اللين لأن ليونته تقوى اندفاع السهم إلى الأمام .. !

المربى هو المجتمع الإنساني والطفل هو نفسي ونفسك ونفسه، وكل النفوس....

إن كلمات جبران حقاً هي موسوعة فلسفية نفسية تستحق الاهتمام والتحليل .. !