loader
شادي شماع
شادي شماع

إعلامي وكاتب سوري

تجويع الشعب ردا على الحصار الأمريكي

قاسيون ـ شادي شماع

بدا واضحا أن النظام السوري يتقصد تحميل تبعات العقوبات الغربية والحصار الاقتصادي الذي يتعرض له رجالاته ، على الشعب السوري ، مضحيا به في سبيل أن يوصل رسالة للغرب ، بأنكم إذا أردتم محاصرتي ، فإنني سوف أحاصر الشعب ، و أحملكم المسؤولية المباشرة عن موته من الجوع .

علما أن ما يحصل في سوريا ، من انهيار في سعر الصرف ، وارتفاع في الأسعار ، وفقدان للمواد الأساسية ، ليس في أغلبه ناتج عن الحصار والعقوبات الغربية ، وإنما بسبب تراجع موارد الدولة وثرواتها الطبيعية ، بعدما سيطرت روسيا على مرفأ طرطوس واللاذقية ، بالإضافة إلى مناجم الفوسفات في الشرقية وخنيفيس ، والتي كانت تدر على خزينة الدولة سنويا ، ما لا يقل عن 200 مليون دولار ، ولا نغفل كذلك سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على حقول النفط في شرق سوريا ، وسيطرتها على إنتاج القمح ، الذي كان يمد النظام خلال السنوات الماضية ، بكامل حاجته من هاتين المادتين .

قد يقول البعض ، إن سيطرة قوات قسد على النفط والقمح ، ليس وليد هذا العام ، وإنما يعود إلى العام 2015 ، وقبلها كان تنظيم داعش يسيطر عليهما منذ العام 2013 ، وبالتالي فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة ، لماذا لم تتصاعد الأزمات سوى منذ منتصف العام الماضي فقط ، بينما قبلها ، لم يكن يشكو الشعب السورية ، من أزمة على الخبز أو حتى على المحروقات ، إلا في حدود بسيطة ، لعدة أيام ، ثم لا تلبث الأزمة أن تزول بعد ذلك … ؟!

في الواقع ، إن تفسير هذا الأمر ، يعزوه النظام للعقوبات الغربية وزيادة الضغوطات الأمريكية على قوات سوريا الديمقراطية ، التي كانت في السابق تمد النظام بحاجته من القمح والمحروقات ، لكنها في العام الماضي ، توقفت عن هذا الأمر ، بإيعاز من أمريكا ، ما تسبب بالأزمات التي نشهدها حاليا ..

غير أن مصادر في النظام ، أكدت ، بأنه منذ سيطرة تنظيم الدولة على حقول النفط في شرق الفرات في العام 2013 وحتى اليوم ، لم تكن الكميات المستجرة لتكفي حاجة البلد من المحروقات ، وإنما كان الاعتماد على التوريدات من إيران ، والتي كانت ترسل ما يعادل 100 ألف برميل من النفط يوميا إلى النظام ، وما حدث منذ منتصف العام الماضي ، أن إيران توقفت عن إرسال هذه الكميات من النفط بالمجان ، وبدأت تطالب بأثمان الكميات السابقة ، عبر دفعها بالدولار ، أو من خلال الحصول على امتيازات داخل المجتمع السوري وعلى الأرض السورية ، عبر إقامة العديد من الحوزات والقواعد العسكرية ، جنبا إلى جنبا ، في الأماكن التي تنتشر فيها القوات الإيرانية ..

وفيما يتعلق بمحصول القمح ، فإن المتتبع لبيانات النظام منذ العام 2014 وحتى العام الماضي ، سوف يلحظ أن الكميات التي كان يحصل عليها من الفلاحين ، متقاربة ، حيث أنها لم تتجاوز في أحسن الحالات الـ 500 ألف طن ، في العام 2016 ، وفي العام الماضي ، وهي أقلها ، كانت بحدود 400 ألف طن . بينما حاجة البلد السنوية من القمح لأغراض الخبز ، تصل إلى نحو مليون ونصف طن ، أي أنه كان يستورد أقل من مليون طن سنويا ، وتبلغ قيمتها نحو 200 مليون دولار .

وبفرض أن النظام تحول إلى مستورد كامل للقمح والنفط ، فإنه سنويا بحاجة إلى 2 مليار دولار لتغطية حاجته من هاتين المادتين ، وهو مبلغ لا يمكن أن يعتبر كبيرا ، بالنسبة لدولة كسوريا ، يبلغ حجم ناتجها المحلي ، بحسب إحصائيات النظام في العام 2019 ، أكثر من 20 مليار دولار .

إذا ، نحن أمام لعبة سياسية ، يحاول النظام من خلالها التضحية بالشعب السوري ، وتدفيعه أثمان الجرائم التي ارتكبها بحقه للمرة الثانية .. الأولى عبر قتله وتدمير ممتلكاته وتهجيره ، والثانية من خلال تجويع وإذلال من بقي في مناطق سيطرته ، متأملا أن يتحرك المجتمع الدولي لدوافع إنسانية ، وينقذه ويمده بأسباب الحياة والسيطرة من جديد ..