loader
مروان الحريري
مروان الحريري

كاتب لبناني ، وباحث في مجال علم النفس .. له عدة أبحاث في التأمل والصوفية والفلسفة وعلم النفس .. 

قلق الموت .. أو رهاب الموت*

قاسيون ـ مروان الحريري  

يعاني الإنسان من عدة مشكلات نفسية واجتماعية والبعض يعاني من هاجس الموت!!!

ومنذ وجد الإنسان على الأرض.

والخوف من الموت يسمى(Thanatopphobie) وهو عبارة عن قلق غير طبيعي من الموت أو من عملية الموت نفسها؛ ويصاب الشخص بالفزع والعزلة والاكتئاب.

إن الشعور بتهديد الموت يعد من أهم أسباب الخوف لدى الإنسان، لذلك نرى الناس تسعى دائماً لتجنب الموت والخطر

والعيش في بيئة آمنة.

كما يعاني أشخاص من قلق موت بعض الذين يحبونهم ويتعلقون بهم كالآباء والأمهات والأولاد بحيث انهم لا يتخيلون العيش من دونهم؛ والسبب هي علاقة الالتصاق بهم والاعتماد عليهم .

ويعتبر (القلق من الموت) مشكلة نفسية تقض مضاجع عدد كبير من الناس وتسبب حالة اضطراب نفسي وتغيير في السلوك والاصابة برهاب الموت.

وعندما يصاب شخص بهذا القلق او هذا الوسواس تظهر عليه العلامات او العوارض التالية:

- التفكر بالموت بشكل دائم والامتعاض لدى سماع الحديث عنه. او سماع خبر وفاة شخص.

- نوبات فزع متكررة.

- الشعور بالغضب

- العزلة(الإبتعاد عن الناس)

- الحزن

- الأرق (عدم انتظام فترات النوم)

- نوبات بكاء

- الإصابة بمرض الاكتئاب

- تسرع في ضربات القلب

- غثيان ودوار.

ويعتبر من أكثر الناس عرضة للإصابة بهذه الاضطرابات:

- المسنين لا سيما نزلاء دور العجزة ذلك بعد الاستغناء عنهم من قبل ذويهم.

- المصابون بأمراض مستعصية وقاتلة (السرطان والسيدا والتهاب الكبد الوبائي او المصابين ببعض الفيروسات القاتلة وغيرهم....)

- أصحاب الأفكار الدينية والعقائد وما تقدمه من افكار حول الحياة بعد الموت (الجنة والنار _عذاب القبر ؛ ألم الموت، اوسكرات الموت "خروج الروح من الجسد" وعذاب الآخرة)

- المقبلين على عمليات جراحية.

- أصحاب المناصب العليا في السلطة وبعض المتمولين والاغنياء أصحاب الثروات الكبيرة.

في الحقيقة ان فكرة الفناء تتملك عقل الإنسان وترهبه؛

ولكنه يخطئ عندما يجعل من الموت خوفاً كبيراً لانه ليس هناك فرق كما يقول العلماء بين الموت والنوم العميق.

الخوف العظيم يكون من الأوجاع والآلام النفسية الكبيرة وكثير من المرضى الذين يعانون من الوجع والكآبة الشديدة يفضلون الموت، والبعض منهم يلجأ إلى الانتحار هرباً مما يعانيه وليتخلص من العذاب.

الخوف الآخر والاعظم هو الجوع والعوز.

ومما يميز الموت هو أنه موجود حتى داخل كل خلية في جسم الإنسان، مثلاً عندما نصاب بجرح ما! تموت بعض الخلايا فتسرع الخلايا الأخرى المجاورة للترميم خوفاً من موتها.

يقول الباحث في الجينات ستيف كول(Steve Cole) :"ان جهاز المناعة وجد ليقاوم الموت،

 ومبرمج للدفاع عن الجسم.

فالخوف من الموت هو مبرمج ليس نفسياً فقط بل بيولوجياً وفيزيولوجياً أيضاً.

اذا نظرنا بدقة إلى كل ما يفعله الإنسان في حياته، نرى أن الدافع الأساسي هو نزعة البقاء، وعندما نفكر في الموت فإنه من الطبيعي ان يدب فينا الرعب لأنه يذكرنا بمصيرنا المحتوم.

معظم الناس يتحاشون التفكير في الموت لكي يحافظوا على قيمة ومعنى الحياة كفرصة نادرة في الوجود لتحقيق الذات.

وفي الحالة التي تصبح فيها فكرة الموت وسواس بكل ما تحتويه هذه الكلمة من معنى تؤدي بصاحبها إلى الإصابة بالاكتئاب وحتى إلى اضطراب نفسي (رهاب الموت).

عندما نخاف شيء ونتجنبه ونفكر به يتملكنا ويكبر فينا الخوف منه، بينما عندما نفهم ان الموت مصير لا بد منه نسلم به ساعتئذن فقط تخف حدة الخوف.

يقول الله في القرآن الكريم

"كل نفس ذائقة الموت"

 العنكبوت ٥٧.

إذا فكرنا ان كل شيء له بداية ونهاية بما فيهم الإنسان والكواكب والنجوم والسموات والأرض والحيوانات(الا الله) تسهل علينا فكرة الموت. والجدير ذكره هنا هو أن الفراغ في حياة الإنسان يؤدي إلى الإحساس بالعبثية وتفاهة الحياة وبالتالي الى الموت، لذلك الانشغال بالحياة ومتطلباتها ورعاية النفس وتطويرها والصلاة وتنمية المواهب ومساعدة الآخرين والتخفيف عنهم العناء قد يملأ الوقت بالعطاء وإيجاد تسلية ولذات وجدانية، نفسية، اجتماعية وانسانية؛ ندمن عليها حتى لا نشعر بالفراغ حينها لا نعير الموت اهتماماً وهكذا نتغلب على الخوف منه.

يقول قدماء الإغريق:"تأمل الموت وتوقعه اذا اردت ان تتعلم كيف تعيش."

"ما من أحد يتمتع بطعم الحياة الحقيقية سوى ذاك الذي يكون مستعداً دوماً لمفارقتها."

وقد شدد كوستنباوم( 1976) :"على فكرة ان وعينا للموت يمكننا من أن نخطط لحياة غنية؛ إذ يجعلنا نرى حياتنا رؤية كليَّة، كما يدفعنا إلى البحث عن الاجوبة الحقيقية، ويرتبط بقدرتنا على تشكيل الهوية الشخصية المميزة لكل منا.

إن معنى حياتنا يتوقف على واقع اننا كائنات فانية".

يقول الشاعر "الموت باب كل الناس داخله"

كما يقول علي بن أبى طالب سيد البلغاء: اعمل لدنياك كانك تعيش أبداً واعمل لاخرتك كانك تموت غداً. "

اذن فالموت حتمية حقيقية لا بد منه والمطلوب التصالح مع هذه الفكرة وتقبلها.

الفيلسوف سينيكا (Seneca) كان يملك ثروات هائلة أهداها جميعها للآخرين وعاش حياة تقشف، كان يلبس نفس الثوب دائماً وياكل الزيتون والتين والقمح والخضار وعندما هدده القيصر بحياته، لم يخف من الموت وأقدم على قتل نفسه...

أهم العلاجات للمصابين برهاب الموت:

- جلسات للكلام عن الهواجس من الموت مع اختصاصيين نفسيين

- علاج معرفي سلوكي يهدف إلى تغيير نمط التفكير في الموت.

- قبول الموت كحالة و حقيقة حتمية.

- الصلاة والتأمل.

- سماع الموسيقى والتنزه بالطبيعة والاسترخاء

- بعض الأدوية توصف من قبل الطبيب المعالج للتخفيف من الخوف.

وهناك أيضاً مجالات أخرى تساعدنا للتغلب على هذا التفكير والشعور وهي مساهمتنا الدائمة في بناء حياتنا وحياة من حولنا ونشر الفرح وإقامة علاقات ودية ملؤها المحبة مع أهلنا وأصدقائنا والحفاظ على بيئة صحية خالية من التوتر والقلق والخوف وان لا ننسى دائماً أننا سنستمر في الحياة بعد موتنا اذا تركنا اجيالاً صالحة تحمل جيناتنا من أولادنا وأحفادنا ..