شادي شماع
شادي شماع

إعلامي وكاتب سوري

على هامش تجويع السوريين*

قاسيون ـ شادي شماع  

كثيرون يعتقدون بأن النظام السوري فعلا عاجز عن تأمين القمح للشعب السوري ، وذلك لأن هناك حصار اقتصادي ، بالإضافة إلى أنه لا يملك الكتلة النقدية من العملة الصعبة ، اللازمة لاستيراد هذا القمح من روسيا .

هذا الكلام يسيطر حاليا على أغلب تصريحات مسؤولي النظام ، من رئيس الوزراء إلى مدير المؤسسة العامة للحبوب ، مرورا بوزير الاقتصاد ووزير التجارة الداخلية ، وغيرهم من المسؤولين المعنيين بإنتاج رغيف الخبز .. إذ أنهم يشيرون صراحة إلى السببين السابقين ، على أنهما هما وراء أزمة الخبز التي تضرب البلاد من أكثر من شهر .

لكن من جهة ثانية دعونا نتتبع بعض تصريحات المسؤولين ، بمن فيهم رئيس النظام السوري ذاته ، الذي أعلن قبل فترة بأن الحصار ليس هو سبب الأزمة التي تضرب الاقتصاد السوري ، وإنما تهريب السوريين لأموالهم إلى البنوك اللبنانية ومن ثم ضياعها هناك ، بينما قدر تلك الأموال بأنها تتراوح بين 20 إلى 40 مليار دولار .

وغير ذلك ، فإننا إذا تتبعنا بيانات الاقتصاد السوري خلال العام الجاري سوف نقع على مفارقة غريبة جدا .. وهو ما أعلنه وزير الاقتصاد قبل فترة من أن فاتورة المستوردات بلغت للعام الحالي نحو 4 مليار يورو ، فيما أكد وزير التجارة الداخلية في تصريح آخر بأن حصة القمح من هذه المستوردات هي بحدود 250 مليون يورو سنويا فقط .. فهل هناك دولة في العالم تعجز عن تأمين هذا المبلغ البسيط ، لتحصين أمنها الغذائي وحماية مواطنيها من الجوع ..؟

بالإضافة إلى ذلك ، فإذا ما تتبعنا بيانات مستوردات الاقتصاد السوري ، سوف نقع على ما هو أغرب من ذلك ، حيث أن النظام يستورد سنويا من الأجهزة الالكترونية ، التي تشمل الموبايلات والكمبيوترات ، ما يزيد عن 500 مليون يورو .. أي ضعف فاتورة استيراد القمح .. فهل هذه المواد أولى بالاستيراد ، من تأمين الخبز للسوريين .. ؟

باختصار ، ما نود الوصول إليه ، أن ما نشاهده اليوم من أزمة على رغيف الخبز وازدحام أمام الأفران ، إنما هو سياسة مقصودة من قبل النظام ، هدفها بالدرجة الأولى تجويع الشعب السوري ، ودفعه لبيع جميع ممتلكاته ومدخراته ، حيث الإيراني جاهز للشراء ، بينما ينتظر الروسي تمرير صفقاته لنهب الاقتصاد السوري ، دون التفاتة من الشعب السوري ، الذي سيكون مشغولا بتأمين رغيف الخبز .

وعلى نطاق آخر ، لا بد أن نعاين تصريحات وزير الزراعة الأخيرة ، والتي طالب فيها السوريين بزراعة كل متر أرض يملكونه بمحصول القمح ، لمواجهة الندرة والتغلب على أزمة الرغيف خلال العام القادم ، فهي تصريحات ، أقل ما يمكن وصفها بأنها لا تصدر سوى عن شخص منفصل عن الواقع ، ويعتقد بأن الأمر لايزال بالإمكان معالجته بالحماسة والخطب الرنانة ، بينما الأولى به كان أن يخاطب حكومته ويقول لهم : استحوا على حالكم .. فاتورة استيراد القمح لا تزيد عن 250 مليون يورو .. وهو مبلغ أقل من ثمن بضعة سيارات لبعض الفاسدين من تجار الحروب ، وهو أقل بكثير من فاتورة استيراد الأسلحة لقتل الشعب السوري ، والتي تبلغ سنويا أكثر من 2 مليار يورو .

أخيرا ، نتوقع أن يتوقف الكثير من الفلاحين خلال العام القادم عن بيع قمحهم للنظام في مناطق الإنتاج التي تقع تحت سيطرته ، وسوف تعمد الناس إلى تقليع شوكها بأيديها ، بعيدا عن أي أمل مرتجى من قبل حكومة النظام في توفير حاجياتها .. وهو ما سيؤدي إلى نشوء مجتمع جديد ، يعتمد على نفسه ، ولا يرى الدولة سوى على ظهور الدبابات ووراء المدافع والبنادق فقط .. هذه باختصار دولة الأسد ، التي يسعى النظام لتكريسها في أذهان الشعب السوري من الآن وصاعدا ..