loader
علي تمي
علي تمي

علي تمي / كاتب وسياسي / عضو قيادي في تيار المستقبل الكوردي في سوريا / عضو المجلس المحلي في كوباني

اختطفت من قبل الأمن الجوي  في 2011 لمدة 3 أشهر / على خلفية المشاركة في المظاهرات ضد النظام ،

واختطف من قبل استخبارات الاتحاد الديمقراطي في  كوباني لمدة 3 أشهر في 2017

ويكتب حاليا مقالات الرأي للعديد من الصحف والمواقع  ، وهو مدير شبكة كوردستريت الاخبارية .

حقول الغاز في شرق وغرب المتوسط تضع المنطقة على فوهة البركان *

قاسيون ـ علي تمي

ليس خافياً على أحد بأن منطقة شرق الأوسط وشمال أفريقيا قد ضربتها عاصفة "الربيع العربي " ، عناوينها كانت حقوق الإنسان ، والتغيير الديمقراطي ، وإسقاط الدكتاتوريات في المنطقة ، فتدخل الغرب في الصراع متسلقين قطار التغيير الذي بدأت رحلته من تونس لينتهي به المطاف في سوريا التي خلّف فيها الدمار والخراب والتهجير الجماعي إلى مستويات فاقت التخيلات ، و جعلوا من ليبيا ومواردها الطبيعية جثة تجمعت عليها ضباع العالم لينهشوا بجسدها على طاولة البازارات الدولية .

- خفايا الصراع في سوريا وليبيا

مع إنطلاقة شرارة الثورة السورية في 2011 م سالَ لُعابُ الغرب لأن رأس النظام السوري كان بالأصل مطلوباً لديهم نتيجة التدخلات الأمنية السلبية ( سابقاً ) في لبنان والعراق والصراع الفلسطينى- الإسرائيلي ، و ضلوعه في زعزعة أمن المنطقة من خلال دعمه للميليشيات ، فأدركت أنقرة والدوحة كواليس اللعبة في سوريا وما يحاك ضد مصالحهما الجيوسياسية في المنطقة فسارعوا إلى التدخل في بداية الأمر سلماً موجهين نصائح ومقترحات للنظام السوري وحثّه عن وجود مؤامرة تحاك ضد بلده ، وعليه التعامل معها بحنكة وهدوء تام ، والعمل الفوري على إجراء إصلاحات سياسية شاملة ، لكن دون جدوى .

- خيارات النظام السوري

عرضت الدوحة في بداية الأمر مقترحاً على النظام السوري في 2012 م مد خط أنابيب الغاز الطبيعي حيث كان من المفترض أن يمتد من شمال قطر إلى تركيا مروراً بالأراضي السورية ، و يمكن بعد ذلك ربطه مع خط أنابيب (نابوكو ) لتزويد تركيا والزبائن الأوروبيين بالغاز ، أو من خلال ( خط أنابيب مفترض أن يمرّ على طول 1,500 كلم من الأراضي السعودية لتصل إلى الأردن وبعدها إلى سوريا ) ، واشنطن أعجبتها الفكرة و المشروع لردع إيران التي شجعت بدورها الأسد على رفض خطوط الأنابيب لصالح خططها الخاصة التي تقضي بإرسال الغاز إلى منطقة البحر المتوسط ، فاستنجد النظام السوري بالدب الروسي في (2015) الذي كان يهمه التدخل العسكري الفوري لتحقيق أكثر من هدف في سوريا ، و لمنع الدوحة وأنقرة من تصدير الغاز القطري العالي الجودة وأقل تكلفة إلى أوربا التي تستهلك الغاز الروسي سنوياً بمليارات الدولارات ، ولإبعاد الغاز القطري عن الأسواق الأوروبية المربحة ، فتوقف المشروع بسبب التدخلات العسكرية الإيرانية الروسية في المشهد السوري ، و لازال الصراع قائماً حتى يومنا هذا .

في ليبيا على ما يبدو المشهد قريب جداً إلى ما يحدث في سوريا ، فتدخل أنقرة والدوحة ( عسكرياً ) لحماية الحكومة الشرعية بقيادة ( السراج ) المدعوم ( غربياً ) هو إنجاز سياسي يسجل لهما ولأخذ دورهما الريادي - المحوري كدول صاعدة في المنطقة ، ولمنع ( تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ ) في كل من سوريا و ليبيا ، لكن على ما يبدو أن للصراع أبعاده الإقتصادية ، فالغرب يحاول التخلص من إحتكار الغاز الروسي للأسواق الأوربية والذي يكلفهم أسعاراً باهظة مع أن جودته أقل بكثير من الغاز القطري ، فخليج سرت في ليبيا يحوي على أكبر حقل غاز في غرب المتوسط والأقرب إلى أسواق أوربا ، وبمجرد دخول حقول الغاز في خليج سرت حيز الإنتاج والتصدير ستكون أوربا المستهلك الأول للغاز عالمياً ، و لاتبعد عنه إلا خطوات و في نفس الوقت كلفتها أقل من الغاز الروسي ، وبناء عليه شعرت موسكو بوجود "خطر" آخر يهدد مصالحها الإقتصادية في ليبيا ، فتدخلت عن طريق مليشيات موالية لها وقامت مؤخراً بنقل نحو 300 مرتزق من مناطق سيطرة النظام السوري في دير الزور إلى مطار حميميم في اللاذقية ثم نقلتهم جواً إلى ليبيا لحماية خليج سرت والجفرة من السقوط ، وتحاول بنفس الوقت جر ( القاهرة ودبي ) إلى محرقة ليبيا من خلال إغراء القاهرة بمنحها قروض مالية ضخمة وعلى نفقة الرياض .

على ما يبدو بأن واشنطن ولندن وأنقرة والدوحة لن تسمح للروس بالتموضع في ليبيا ، وليس أمام ( الجنرال حفتر ) بعد إستكمال بناء طوق عسكري حول سرت من قبل ( أنقرة ) إلا الإنسحاب سلماً منها ، وتسليمها للحكومة الشرعية بقيادة ( السراج ) ، ومن ثم تنتهي القصة .

الصراع على تدمر والحسكة في سوريا

بالعودة إلى المشهد السوري والتعمق في قراءة حيثياته يتبين لنا بأن الصراع بين واشنطن وموسكو مختصر حالياً على ديرالزور والحسكة وتحديداً حول حقول الغاز في المنطقة حيث تعتبر من أكبر الحقول في الشرق الأوسط التي لم يتم استثمارها بالشكل المطلوب حتى الآن ، وبحسب إحصائيات النظام السوري فقد بلغ إنتاج هذه الحقول حتى منتصف عام 2011 م ، نحو 30.2 مليون متر مكعب يومياً ، وهذا ما يجعل من هذه المنطقة ذات أهمية كبيرة نظراً لضخامة الموارد الطبيعية فيها (Natural Resources) التي تعتبر من أغزر حقول النفط والغاز في العالم .

سياسياً ، نقلت ( قناة الحرة ) في تغريدة لها على صفحتها على ( تويتر) عن السيناتور الجمهوري الأمريكي "ليندسي غراهام" بأن قيادة قوات سوريا الديمقراطية قد أبلغته , أنه تم التوقيع على إتفاقية مع شركة نفط أميركية لتحديث حقول النفط في شمال شرق سوريا ، وبناء على ما ذكر نجد بأن عمق الصراع في سوريا هو على النفط والغاز ، وعلى ما يبدو أن واشنطن تفكر بنقل النفط عبر الأنابيب من شمال شرق سوريا إلى إقليم كوردستان العراق ومنه إلى ميناء جيهان التركي وبالتالي تصديره إلى أوروبا ، لكن هل ستقبل موسكو وطهران بذلك ..؟ ، بالطبع لا ، وربما ستقومان بتحريض العشائر العربية في شمال شرق سوريا ضد التواجد العسكري الأمريكي في سوريا لإفشال هذا المشروع كما بفعلون في ليبيا ، وبالتالي فإن المنطقة ستدخل في دوامة صراعات جديدة على الموارد الطبيعية ( النفط والغاز والمياه ) التي حرم الشعب السوري من استثماراتها طيلة العقود الماضية .

الخلاصة : سوريا تشكل همزة وصل أساسية بين طرق عبور الغاز ، إذ أن النظام السوري جعلها طريق مسدود أمام الجميع ، فأي خط نفطِ إلى أوروبا يجب أن يمرّ عبر سوريا أو تركيا ، و لإيران حدود مع الأخيرة وهي ترسل الغاز أصلاً إليها ، فلا حاجة لها بتمرير الغاز عبر سوريا، ولا حاجة للمسؤولين الأمريكيين بالقلق وتكريس جهود كبيرة لقطع تلك الأنابيب ، بينما في ليبيا فالمعطيات والوقائع تقول أن من يسيطر عسكرياً على خليج (سرت والجفرة) سيتحول إلى لاعب قوي في المشهد السياسي والإقتصادي في الشرق الأوسط كون تلك المنطقة تمتلك موقع إستراتيجي ، و لقربها من أوربا ، وهذا ما حدا بموسكو أن تقرع أجراس الخطر وترفع البطاقة الصفراء بوجه الجميع ، وعلى الفور تدخلت عسكرياً في ليبيا لحماية الجنرال ( حفتر ) من السقوط بغية حماية مصالحها الاقتصادية على عكس ما تفعله في سوريا .

والسؤال الذي بات يطرح نفسه بقوة .. هل التغيير في الإدارة الامريكية الحالية ، وقلب الناتو الطاولة على موسكو في حرب ( ارمينيا واذربيجان) سيضع المنطقة أمام تطورات وعناوين جديدة ؟