loader
يشار كمال
يشار كمال

مدير وكالة قاسيون للأنباء

بين ناغورني قره باغ وإدلب باغ ..!*

قاسيون ـ يشار كمال

الكثير من الناشطين السوريين ، رأوا لو أن تركيا وقفت إلى جانب قضيتهم ، بذات القدر الذي وقفت به إلى جانب أذربيجان في حربها لاستعادة أراضيها المنهوبة من أرمينيا ، لما كان الشعب السوري بعد عشر سنوات من الثورة والنضال ، لا يزال بعيدا عن تحقيق مطالبه ، ولما كان مشردا في شتى أصقاع الأرض ، وقد فقد كل شيء له في بلده ، بدءا من الأرواح وانتهاء بالممتلكات .

هذا الكلام ، أو هذه الآراء تم تداولها على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي ، وحتى في بعض المقالات ، التي عبرت عن اعتقادها بأن تركيا كانت تملك منذ البداية أسباب نجاح الثورة السورية ، لكنها تراخت ، أو خضعت للضغوط الغربية ، كما لم تفعل عندما تعلق الأمر بأذربيجان ، حيث أنها رغم كل الانتقادات التي تعرضت لها من بعض الدول الغربية ، إلا أنها تحدتها وواجهتها ، واستمرت في دعم باكو إلى أن استطاعت أخيرا ، وبعد نحو 25 عاما ، من استعادة إقليم ناغورني قره باغ والأراضي المحيطة به ، والتي كانت أرمينيا قد استولت عليها في العام 1994 .

وأنا هنا لا أريد أن أنصب نفسي مدافعا عن الموقف التركي ، لكن هناك اختلاف كبير وواضح ، بين قضية إقليم ناغورني قره باغ ، والقضية السورية ، وإذا كان هناك من لا يدرك هذا الاختلاف ، فبدون شك ، هو يعاني من خلل في تفكيره السياسي ، وحتى لا نقول العقلي .

بداية ، المشكلة الأذرية الأرمينية هي بين دولتين قائمتين ، وهناك نزاع بينهما مستمر منذ عشرات السنين على هذا الإقليم ، بالإضافة إلى أن هناك قرار أممي يطالب أرمينيا بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد العام 1988 ، وهو القرار الذي تم على أساسه وقف إطلاق النار في العام 1994 ، بينما لم تنفذه أرمينيا إلى ما قبل الحرب الأخيرة ، والتي نجحت فيها أذربيجان بإجبارها على تطبيق القرار الدولي .

لذلك ، كان الموقف التركي قوي من هذا الجانب ، لأنه يساعد دولة مجاورة على تطبيق قرار دولي ، عجزت كل دول العالم عن إجبار أرمينيا على تنفيذه ، إضافة إلى أن تركيا لم تدعم اذربيجان سوى بصادرات السلاح والموقف السياسي ، وهو حق لأي دولة ، بينما لم ترسل تركيا جنودها إلى هناك للقتال إلى جانب القوات الأذرية .. وهو ما كانت أرمينيا تسعى لإثباته عبر اتهام أنقرة بأنها ترسل مرتزقة سوريين للقتال إلى جانب القوات الأذرية ، من أجل أن تقول بأن تركيا تتدخل بشكل مباشر في الصراع ، وهو ما لا تقبله الشرائع الدولية .

وبالانتقال إلى القضية السورية ، فهي ثورة شعب ضد نظام قاتل ومجرم ، وقد فعلت تركيا ما بوسعها للوقوف إلى جانب هذا الشعب ، ووفرت له كل ما تستطيع من وسائل الحماية والرعاية ، ومع ذلك يجب أن ندرك ، أن حدود وقدرات الدولة التركية في هذا المجال كانت على الدوام محكومة بالتدخل الدولي المباشر في الأزمة السورية ، الأمر الذي منعها من تنفيذ الكثير من وعودها ، بعدم السماح للنظام السوري بارتكاب المجازر بحق شعبه .

ويجب أن لا نغفل من جهة ثانية ، بأن الموقف والقرار الدولي كان مائعا في هذا المجال ، فهو لم يقدم الحماية للشعب السوري ويوقف جرائم النظام ، بل قدم له الفترة الزمنية الكافية ، لأن يقوم بكل ما قام به من عمليات تدمير وقتل و تهجير لشعبه ، وبالتالي فإن المجتمع الدولي هو من يتحمل المسؤولية الأكبر في هذا الشأن .

ولا بد أن نشير إلى أن هناك من الناشطين السوريين ، من يقول بأن تركيا قايضت إدلب بإقليم ناغورني قره باغ ، أي أنها سوف تسمح في المرحلة القادمة بإعادة سيطرة النظام والروس على هذه المحافظة ، الخارجة عن سيطرة النظام منذ نحو ست سنوات .. وهو كلام ليس له أساس من الصحة ،ولا يمكن الاستدلال عليه ، من خلال عمليات الانسحاب التركي من نقاط مراقبتها في إدلب وغيرها ، كما يقول العديد من الناشطين ، وإنما يمكن القول والتأكيد بأن تركيا لاتزال على موقفها تجاه الهجوم على إدلب ، بأن الأمر لن يكون قبل إيجاد حل سياسي شامل للأزمة السورية ، يسمح بحماية المدنيين الذين يعيشون خارج سلطة النظام في تلك المحافظة .

ونؤكد أيضا ، أنه لولا الموقف التركي الصارم والحازم ، لكان النظام ومن خلفه روسيا ، أعاد ، منذ عدة سنوات ، إدلب لسيطرته ، و بغض النظر عن العواقب التي قد يخلفها هذا الهجوم ، إلا أن تركيا هي تقف حائلا حتى الآن دون هذا الأمر ، لأنه تدرك بأنها هي من ستتحمل تكاليفه الشعبية بالدرجة الأولى ، عبر لجوء أهالي إدلب إلى داخل الحدود التركية ، هربا من بطش النظام ، ولأنهم يؤمنون بأنها الدولة الوحيدة القادرة على توفير الأمن والحماية لهم .

نهاية القول ، نود أن نشير بأن ظروف الأزمة السورية شديدة التعقيد ، ولا يجب النظر إليها بهذه البساطة ، كما لو أنها لعبة "بلاي ستيشن" .. بل لا بد من الاعتراف بحقيقة الأمر ، بأن هناك قوات لدول عظمى على الأرض السوري ، وهذه الدول لم ترسل قواتها لولا أن لديها مخطط تريد تنفيذه .. وهذا المخطط لا نبالغ إذا قلنا بأنه أحيانا أكبر من قدرة الدولة التركية على منعه ، لكنها مع ذلك تحاول ما بوسعها ، بأن لا يكون الشعب السوري ومطالبه ، خارج حسابات هذا المخطط ، بل لا بد أن يكون هو محوره ودوافعه ..