loader
عادل قطف
عادل قطف

كاتب سوري وإعلامي وخبير في مناطق الشمال السوري المحرر 

اللجنة الدستورية: عندما يسقط الطير في شباك الصياد*

قاسيون ـ عادل قطف

يحاول المبعوث الخاص للامم المتحدة إلى سوريا،غير بيدرسون، من خلال الجولة الاخيرة التي زار فيها العاصمة دمشق، ولقائه مع رئيس النظام السوري ووزير خارجيته، إيجاد آلية عمل جديدة تعيد اللجنة الدستورية إلى الإنعقاد ووضع أطُر للحل السياسي في سوريا من وجهة نظر المجتمع الدولي.

وعلى الرغم من أنه لم يتم تصميم هذه الآلية الضيقة لحل النزاع الدائر منذ سنوات عبر الحلول القانونية، وإنما فتح نقاش سياسي بين السوريين. إلا أنه يجب على الأمم المتحدة وحلفائها بذل المزيد من الجهود ، حتى لا تستمر روسيا في استغلال العملية الدستورية كوسيلة لتعويم نظام الأسد دون معالجة أي من الأسباب الجذرية للحرب.

ويدرك الجميع أن موسكو سعت جاهدةً وبثبات على حماية النظام السوري، من عواقب رفض التفاوض مع المعارضة، والذي قابله رفض الولايات المتحدة وأوروبا والدول الإقليمية التصدي لهذه الحماية من خلال تصعيد الأعمال العسكرية مع روسيا عند تدخّلها على الأرض، وعوضاً عن ذلك اقتصرت ضغوطها على العقوبات الاقتصادية والانخراط الدبلوماسي، وهو ما أدى إلى وأد العملية السياسية وإصابتها بالشلل التام.

ويجد بيدرسون ومن خلفه المجتمع الدولي أن موافقة روسيا على إجتماعات اللجنة الروسية مخرجاً للتمويه على الموقف الذي يكاد أن يكون شبه معدوم للمجتمع الدولي من القضية السورية، كما أن موسكو كانت ولا تزال تنظر إلى الإصلاح الدستوري كإطار عمل مرن يساعدها في إطالة عمل اللجنة الدستورية وإسكات النقّاد في الغرب مع الحفاظ على نهجها السياسي والحد من نطاق ما قد يتضمنه "التغيير" في سوريا في نهاية المطاف، وعلى الرغم من الثوابت التي وردت في قرار مجلس الأمن رقم 2254 والذي يدعو إلى قيام عملية سياسية مؤلفة من ثلاثة عناصر أساسية وهي (حكومة انتقالية، انتخابات حرة ونزيهة، ودستور جديد) إلّا أن النظام ومن خلفه روسيا نجحوا تدريجياً بحصر النقاشات بالعنصر الأخير فقط.

وعلى الرغم من التفاهم الضمني على أن اللجنة الدستورية ستعمل على دفع العملية السياسية السورية إلى المسار الصحيح الذي نص عليه القرار 2254، إلّا أن الدول المعنية بالملف السوري روسيا وإيران وتركيا ونظام الأسد ، إحتاجوا إلى وقت طويل للتوافق على ممثلي هذه اللجنة، وبينما تعمل الأطراف الدولية الفاعلة لحث السوريين على الاهتمام بطرح القضايا الأساسية وهي (( المبادئ الدستورية، وإصلاح الدولة، وترتيبات تقاسم السلطة )).

وعلى الرغم من أن كلا الطرفين ، المعارض والموالي لنظام الأسد، يدرك جيداً أن لكل طرف طريقة لفهم هذه الأمور، ومع ذلك اعتبر الراعين لهذه المفاوضات أنه من المفيد الحفاظ على هذا الغموض في الوقت الحالي للوصول إلى المزيد من المناقشات المفصّلة بين الطرفين التي من الممكن أن ينتج عنها تفاهماً معيناً ينهي الحرب السورية.

وينظر الشعب السوري في الداخل والذي لايزال يعاني ويلات الحرب من قصفٍ وتدمير وقتلٍ وتهجير أنّ هذا الاقتراح منح النظامَ وداعميه الوقت الكافي لقضم واستعادة الأراضي التي تخضع لسيطرة المعارضة في مختلف أنحاء سوريا، كما أنه أحبط الضغوط التي تمارَس عليه ومنحه الوقت لإعادة علاقاته مع بعض الدول قبل الانتخابات الرئاسية في البلاد عام 2021.

إلا أن المجتمع الدولي والدول المعنية بالملف السوري إعتبروا اللجنة بمثابة "مفتاح" يتيح لها إعادة المعارضة السورية إلى المسار السليم وبناء الثقة دون مناقشة الخيار الاصعب ألا وهو مصير بشار الأسد.

من جهة أخرى وبالرغم من مرور هذا الوقت الطويل على تشكيل اللجنة الدستورية وعقدها عدة إجتماعات إلا ان الغموض حول آلية عملها والهدف الرئيسي العام لها لايزال غامضاً وغير واضح، هنالك العديد من الأسئلة التي يطرحها الشارع في الداخل السوري واهمها: هل اللجنة قادرة على مناقشة الإنتقال السياسي للسلطة والذي يقود إلى إزاحة الرئيس الحالي؟

أم أنها تهدف إلى إصدار دستور جديد؟ أو لعلها تكتفي بتعديل الدستور الحالي؟

وهل تم التوافق على معطيات المرحلة المقبلة مع الأخذ بعين الإعتبار رفض الشارع السوري لأي حلول لا تتضمن رحيل الأسد؟

الجميع يدرك بأنه يتعيّن على الأطراف المعنية في النهاية معالجة العناصر الجوهرية من النزاع، مهما بدت مستعصية، للوصول إلى حل يتيح للشعب السوري الإستقرار بعد سنوات الحرب الطويلة وإعادة بناء نفسه من جديد، ولكن ما شاهدناه بعد عقد عدة اجتماعات للجنة الدستورية، ًبأنها لم تستطع مناقشة القضايا الجوهرية وارتكز محور المحادثات على محاربة "الإرهاب"، وهذه المسألة بعيدة كل البعد عن القضايا الدستورية، وشكلت في أغلب الأحيان أداة استخدمها النظام للخلط بين المعارضة السياسية والتنظيمات الجهادية المسلحة في سوريا، ووضع النظام السوري ومن خلفه موسكو خطوطاً حمراء تحت إي بند يناقش الإشراف على الجيش علماً أن هذا الامر هو قضية دستورية بحتة في جميع أنحاء العالم.

أصبح جلياً ووضحاً للجميع أن هدف النظام تأجيل اللجنة لفترة كافية إلى حين قيام الأسد بإجراء الانتخابات الرئاسية لعام 2021 بموجب الدستور الحالي (والفوز بها).

وإذا عدنا بذاكرتنا قليلاً نلاحظ أن مايجري الأن من مماطلة و اختلاق أعذار لتأجيل إجتماعات اللجنة الدستورية يعكس نفس الظروف التي عرقلت مفاوضات الأمم المتحدة في جنيف على مدى سنوات طويلة وبمباركة موسكو، فدمشق تحاول وأد العملية السياسية ببطء والسيطرة على المزيد من الاراضي وهذا ما يجري حالياً في الشمال السوري، بينما يحكم الأسد بلداً مدمراً.

من جهة أخر ى وحسب الجمود الحالي يتضح للجميع أنه لايوجد أي حل سياسي للقضية السورية في الوقت الراهن، ولكن اللجنة الدستورية عاجزة ولا تمتلك القدرة عن الإفصاح والبوح بذلك.

لهذا يجب على القوى الفاعلة والمجتمع الدولي أن يتخذوا قراراً حاسماً بشأن اللجنة الدستورية والذي يتمثل في إما دعمها وإعطائها فرصة حقيقية للنجاح، أو إنهاؤها إذا لم تحقق الهدف الذي أُنشأت من أجله خلال الشهرين المقبلين.

وفي النهاية فإن الآمال في قيام انتخابات شفافة وانتقال سلمي للسلطة في سوريا ليست كبيرة، ولكنها ليست مستحيلة إذا نجح السوريين في توحيد صفوفهم و أوجدوا من يمثلهم بطريقة صحيحة بالإضافة إلى خلق حالة توافق من المجتمع الدولي لقبول ودعم هذا الكيان.