loader
فؤاد عبد العزيز
فؤاد عبد العزيز

كاتب سوري مدير تحرير وكالة قاسيون

مشروع البوطي الديني الذي هندسه حافظ الأسد وخربه بشار*

قاسيون ـ فؤاد عبد العزيز

شاع في مطلع التسعينيات من القرن الماضي ، بين الأوساط الشعبية ، أن الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، يلتقي بـ "حافظ الأسد" بشكل دوري ، ويلقي عليه دروسا في العقيدة والفقه ، وأن هذه الدروس تركت أثرها الواضح على الرئيس ، الذي أصبحت المسحة الإيمانية بادية على ملامح وجهه ونظراته ، بعد أن كانت ممتلئة شرا وإجراما .

 وكان عندي في تلك الفترة صديق حلبي متدين من مريدي الدكتور البوطي ومن المؤمنين به إلى حد الطاعة ، ومن أجل أن يثبت الفكرة السابقة ، كان يقول لي بأن هذه الدروس لو ألقيت على رأس حمار لأصبح إنسانا .

وبالفعل شهدت الفترة بعد مطلع التسعينيات ، وبالذات بعد حرب الخليج الثانية ، تحولات مهمة في سوريا ، حيث بدأت التجمعات الدينية بالعودة إلى المنازل والمساجد ، دون أن تقترب منها أجهزة المخابرات ، وكان يعزى الفضل في كل ذلك إلى الدكتور البوطي ، الذي يقال بأنه هو من أقنع الرئيس بغض الطرف عنها ، بعدما كانت من الأعمال التي تودي بأصحابها إلى السجن سنوات طويلة أو إلى حبل المشنقة .

لقد فهم حافظ الأسد تركيبة المجتمع المديني في سوريا في أعقاب أحداث الأخوان المسلمين في الثمانينيات ، بأن هذا المجتمع لا يريد من شؤون السياسة شيء سوى الحفاظ على تقاليده وأنشطته الدينية ، أما مجتمع الريف ، فكان يعتقد بأنه أمن جانبه ، من خلال تولية أبناء الريف لأغلب المناصب السياسية والحكومية في الدولة والجيش ، وهذا كان أقصى ما يطمحون إليه ، بعد عقود من التهميش وتسلط البرجوازية المدنية عليه .

وكان هناك طبقة ثالثة في المجتمع ، غير أبناء المدينة والريف ، وهي طبقة المثقفين ، التي استطاع حافظ الأسد القضاء عليها في مطلع الثمانينات ، ضمن حملته على الأخوان المسلمين ، عندما تحول كل صوت لا يؤيد السلطة ، إلى عميل للإمبريالية ومارق ، ويسعى لتقويض أسس الدولة المستقرة .. لذلك زج بهم في السجون ، التي أمضوا فيها سنوات طويلة ، ثم خرجوا منها متعبين ومحطمين .

لقد تسلم بشار الأسد السلطة في العام 2000 ، وفق هذه التركيبة التي هندسها حافظ الأسد بمنتهى الدقة ، بالإضافة إلى أنها كانت من العوامل التي ساهمت بتوريث ابنه السلطة بسلاسة ، ودون اعتراض أي طرف من الأطراف الثلاثة ، بما فيها طبقة المثقفين ، الذين كانوا على قناعة بأن أي شخص غير حافظ الأسد في السلطة ، فهو حكما أفضل منه .

ما فعله بشار الأسد ، أنه منذ البداية حاول اللعب بهذه التوازنات التي أورثها له والده ، والتي تمثلت بإظهار طبقة رابعة ، كان حافظ الأسد قد فعل ما بوسعه لكتم صوتها وخنقها داخل المجتمع ، وهي الطبقة البرجوازية ، لأنه كان يعلم بأن ظهور هذه الطبقة سوف يكون على حساب أبناء الريف الذين بنى أسس حكمه القوي على أكتافهم ، بالإضافة إلى أن الطبقة البرجوازية تاريخيا ، أكثر ميلا للمدينة من الريف .

ومن هنا ، فإن الكثيرين يصنفون الثورة السورية التي انطلقت في العام 2011 ، بأنها في جوهرها ، هي ثورة أبناء الريف على النظام أولا وعلى المدينة ثانيا ، ثم انضم للثورة طبقة المثقفين ، الذين يأسوا من أن يكون لهم أي دور في عهد بشار الأسد ، بعكس ما كانوا يأملون .

بين كل ذلك ، قد يتساءل البعض ، وما هو دور طبقة المتدينين أو رجال الدين في هذه الثورة ، والتي عمل على تأسيسها وهندستها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي وعدد آخر من رجال الدين في حلب ودمشق وغيرها من المدن ، برعاية حافظ الأسد ...؟

وهنا يمكن القول ، إن بشار الأسد حاول أيضا العبث بتركيبة هذه الطبقة خلافا لهندسة والده ، حيث أنه غذى التيارات المتطرفة ، بحجة مقاومة المشروع الأمريكي في المنطقة بعد احتلال العراق في العام 2003 ، وهو ما أدى إلى ظهور فئة أشرس من الطليعة المقاتلة التابعة للأخوان المسلمين في الثمانينيات ، والتي كانت تتحين الفرصة للانقضاض على النظام ، بعدما قام هذا الأخير بخداعها ، وتسليم أغلب قادتها للأمريكان في بازار المخابرات الرخيص .

لذلك مع انطلاق أحداث الثورة السورية في العام 2011 ، انتبه بشار الأسد إلى هذا الخطأ التاريخي الذي ارتكبه ، وحاول الاستعانة بالدكتور البوطي بعد سنوات من التهميش ، من أجل العودة إلى ما هندسه والده ، ولكن كان الأوان قد فات ، إضافة إلى أن حجم التخريب الذي مارسه بشار الأسد على المجتمع السوري ، كان أكبر بكثير من قدرة البوطي على ترقيعه ، أو غيره من رجال الدين ..

باختصار : لقن "جنن" النظام ، الشعب السوري على مدى أكثر من أربعين عاما ، وقد حانت الفرصة لكي يخرج هذا الشعب جنونه على النظام … هذا ما حدث بالضبط .. !