loader
سامر العاني
سامر العاني
صحفي سوري مهتم بالشأن السياسي
يكتب في عدة مواقع عربية
له العديد من المقالات والتحقيقات

ما الذي يفعله الإئتلاف الوطني .. إصلاحات أم دوامة جديدة..؟*

قاسيون ـ سامر العاني 

يُعرِض الكثير من المتنفّذين في الائتلاف الوطني عن إعطاء توصيف دقيق له، كلّما طُلب منهم ذلك، مكتفين بالقول إنّه نتاج تداعيات جهود عدد من السياسيين والحراك الثوري بعقد مجموعة من اللقاءات التشاورية، وهو ثمرة عدة مبادرات تم دمجها وبلورتها عن طريق الحوار المستمر مع الداخل والخارج نتج عنها اتفاق بين قوى المعارضة والمجلس الوطني السوري بتأسيس "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية".

من حيث الشكل هذا صحيح، وإن كان المتداول أنّها فكرة انطلقت من المعارض "رياض سيف" لكنّها في الحقيقة هي فكرة ملتقطة من المعارض السوري "برهان غليون" مفادها تشكيل لجنة مبادرة وطنيّة تؤدّي لتشكيل حكومة مؤقّتة لملء الفراغ السياسي الحاصل في سورية، وأيّاً يكن صاحب الفكرة إلّا أنّ الهدف الأساسي من تشكيل الائتلاف الوطني هو تشكيل هيئة تنفيذيّة لشغل مقعد سورية في جامعة الدول العربيّة بحسب قرار مجلس وزراء الخارجيّة العرب الذي انعقد في السادس من آذار عام 2013 في الدوحة.

وبعيداً عن رفض الدول أو قبولها من تشكيل الهيئة التنفيذيّة تحت مسمّى "حكومة سوريّة مؤقّتة" إلّا أنّ الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة أصدر بياناً في السادس من نيسان 2013 يعلن فيه تكليف المعارض السوري "غسّان هيتو" بتشكيل الحكومة السوريّة المؤقّتة" وتلك الظروف شبيهة إلى حدّ التطابق بالظروف التي تشكّلت فيها حكومة "حقّي العظم" الثانية عام 1932 إذ انتخب برلمان عام 1931 برئاسة محمّد علي العابد بهدف الوصول إلى تشكيل حكومة سوريّة.

إذاً فالائتلاف الوطني في تلك الحالة حدّد ووصّف عمله بأنّه جهة تشريعيّة تتولّى مهام برلمان سوري ينتخب الحكومة ويراقب عملها ويشرّع القوانين ويراقب تنفيذها، وهذا مالم يحدث أبداً، ففي بيانه المؤرّخ في السادس من نيسان عام 2013 حدّد وزارات الحكومة المؤقّتة بـ 11 وزارة منها وزارة الخارجيّة لكنّها لم ترَ النور حتّى هذه اللحظة، خوفاً من أن تتقلّص صلاحياته السياسيّة، كما أنّه جمع بين السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة من خلال تدخّله المباشر بالعمل التنفيذي ابتداءً من تشكيل هيئات رياضيّة وصولاً إلى التدخّل المباشر بعمل المجالس المحليّة والفصائل العسكريّة والهيئات القضائيّة.

لا شكّ أنّ عمليّة إصلاح الائتلاف الوطني التي حمل لواءها رئيسه الحالي نصر الحريري منذ تبادله السلطة مع الرئيس السابق "أنس العبدة" خطوة مهمّة، بعد تبنّي العبدة سياسة "صفر مشاكل" التي أدّت إلى ترهّل الائتلاف ونتج عنها صفر إنجازات، لكن عمليّة الإصلاح تلك تحتاج خطّة مدروسة بعناية تنطلق من توصيف واضح لا لبس فيه لتلك المؤسّسة، وتحديد مهامها بشكل واضح والعمل على وضع استراتيجيّة مقترنة بجدول زمني لتنفيذ تلك المهام، فضلاً عن الفصل بين السلطات، ووقف التدخّل بالعمل التنفيذي، وإلّا فإنّ الإصلاحات الحاليّة لاتتعدّى كونها عمل مبعثر غير مدروس هدفه إلهاء أعضاء الائتلاف بأعمال لافائدة منها، وإدخالهم بدوّامة التصريحات لإشغالهم بها عنه.

لينجح التيّار الإصلاحي في الائتلاف الوطني عليه البدء بتقييم حقيقي لمكوّنات الائتلاف وإعادة هيكلة نفسه بما يتناسب وتوصيفه، فكما يعلم الجميع ولا أكشف في ذلك الغطاء عن المستور، أنّ الائتلاف يضمّ بين مكوّناته كتلتي المجالس المحليّة والعسكر، اللتان شكّلتا أساساً على خلفيّة صراع سعودي قطري كانت أدواته أحمد الجربا ومصطفى الصبّاغ، فكما استحوذ الصبّاغ على كتلة المجالس المحليّة كان على الجربا أن يشكّل كتلة مرتبطة بالداخل السوري تحقّق له قوّة موازية لقوّة الصبّاغ، فكانت كتلة العسكر سبيله إلى ذلك، لكن من واقع إصلاحي فإنّ تلك الكتلتان أصبحتا عبئاً على الائتلاف كون عملهما يتداخل مع عمل الحكومة المؤقّتة التنفيذي، فما حاجة الائتلاف لكتلة العسكر إن كان قد انتخب وزيراً للدفاع، وما حاجته إلى كتلة المجالس المحليّة إن كانت وزارة الإدارة المحليّة أيضاً منتخبة من قبله، فهل من المعقول أن يمرّر حكومة لايثق بوزرائها؟! هذا من ناحية؛ وأمّا من ناحية ثانية فهل من مهام الائتلاف تشكيل هيئات رياضيّة والتدخّل في الجهاز القضائي وعمل المطاحن والمخابز والصحّة والتعليم؟ أم مهمّته مراقبة ومساءلة القائمين عليها، وكيف سيسائلهم وهو يتدخّل في صلب عملهم التنفيذي.

أمّا فيما يخصّ المكوّنات الأُخرى فلا قانون ملزم لأيّ مكوّن في اتّباع سياسة الائتلاف التي من المفترض أن يكون جوهرها تحقيق مطالب الثورة السوريّة، إذ أنّ كلّ مكوّن له رؤية سياسيّة يريد تحقيقها حتّى لو كانت تخالف مبادئ الثورة السوريّة، وهذا ماشهدناه مؤخّراً -على سبيل المثال لا الحصر- من خلال الحوار (الكردي – الكردي) بين قوّات قسد التابعة لحزب العمّال الكردستاني والمجلس الوطني الكردي الممثَّل في الائتلاف الوطني، دون أن يُتّخذ بحقّهم أيّ إجراء خوفاً من انسحاب المجلس الوطني الكردي الذي يشكّل أكبر كتلة متماسكة ومتمثّلة بـ 14 مقعداً، ومن هنا فإنّ الحل يكون بالعودة للتشكيلة الوزاريّة التي أقرّها الائتلاف ونشرها في بيانه عام 2013، وتمرير وزارة للخارجيّة ضمن الحكومة السوريّة المؤقّتة، وبذلك يحصر تنفيذ الرؤية السياسيّة بتلك الوزارة ويقطع الطريق على القوى المتمثّلة في الائتلاف ولاتعمل إلّا بما يتماهى مع مصالحها السياسيّة لا مصالح المؤسّسة.

في النهاية، الائتلاف الوطني عبارة عن برلمان تشكّل من تحالف عدّة قوى معارضة وقوى ثوريّة -قوى لا مؤسّسات- وهذا مايدلّ عليه اسمه "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" وكلّ إصلاحات غير جذريّة لا تنطلق من كونه برلمان للمعارضة السوريّة ودوره تشريعي بحت، فإنّها إصلاحات في القشور لا تلامس أو تقترب من جوهر المشكلة.