يشار كمال
يشار كمال

مدير وكالة قاسيون للأنباء

رفع الدعم وخطة إفقار الشعب السوري

حديث رفع الدعم ليس جديداً على السوريين، فهو خطة كان قد بدأها النظام بشكل فعلي في العام 2013، مع حكومة وائل الحلقي، صاحب نظرية إعادة الدعم إلى مستحقيه، إلا أن انشغال تلك الحكومة باقتصاد الحرب جعل فكرة رفع الدعم مؤجلة إلى مرحلة أخرى.

في منتصف العام 2016، وبعد انتقادات كبيرة ضد حكومة الحلقي جراء تراجع الوضع الاقتصادي، كلف رئيس النظام السوري، بشار الأسد، عماد خميس، بتشكيل حكومة جديدة، بدأت معها بوادر رفع الدعم، من خلال اختراع فكرة البطاقة الذكية، تحت ذريعة توزيع المواد المقننة وفق حصص محددة، لمكافحة الفساد والهدر.

إلا أن الاقتصاد سرعان ما انهار في عهد هذه الحكومة، وتراجعت الليرة إلى مستوياتها القياسية، وسجل التضخم ارتفاعاً كبيراً، وهو ما مهد الأرضية لتنفيذ خطة رفع الدعم، بحجة عدم قدرة الدولة على تأمين المستلزمات المعيشية للسوريين، فكان أن استعان النظام بـ "حسين عرنوس"، في منتصف العام 2020، لكي يرأس الحكومة خلفاً لـ "خميس"، والذي بدأ بمشروع رفع الدعم وفق خطة "خبيثة".

الخطة تشبه ما فعله النظام السوري في بداية الثورة، عندما قام باعتقال أبناء المناطق الثائرة، وأخذ يفاوض على إطلاق سراحهم، مقابل الهدوء.. وهو ما قام به بالضبط مع كل مادة يريد رفع الدعم عنها، أو تخفيض مخصصات السوريين منها.. إذ اعتمد أسلوب إخفائها من الأسواق بداية، ومن ثم تسريب كميات قليلة منها إلى مؤسسة السورية للتجارة أو إلى محطات الوقود أو الأفران، وخلق أزمة كبيرة، وطوابير طويلة حولها، من أجل دفع الناس من تلقاء أنفسهم للمطالبة برفع سعرها مقابل توفيرها، كونها مواد أساسية ولا يمكن الاستغناء عنها.. وهو ما حدث بالفعل.

وهكذا نجح النظام حتى الآن، بتخفيض مخصصات مازوت التدفئة للأسرة، من 200 ليتر في السنة إلى 50 ليتر فقط، مع إيجاد سوق للمازوت بسعر مرتفع، لمن يريد الزيادة على مخصصاته.

كما رفع سعر ربطة الخبز من 50 ليرة إلى 100 ليرة ومن ثم إلى 200 ليرة، في غضون عامين، مع تخفيض مخصصات الفرد إلى رغيفين وربع في اليوم، وإيجاد أفران تبيع الخبز بسعر مرتفع، لمن يريد كميات أكثر.

وما ينطبق على هاتين المادتين، ينسحب على باقي المواد الأخرى الأساسية من سكر ورز وزيت طهي، بالإضافة إلى الكهرباء والبنزين.. والحبل على الجرار.

أما المشروع الأكبر الذي تتبناه حكومة عرنوس، فهو رفع الدعم بشكل نهائي عن أكثر من 25 بالمئة من السكان، لمن تصفهم بأصحاب الأعمال الحرة، كالأطباء والمهندسين والمقاولين والمحامين، وغيرهم من فئات المجتمع التي تمتلك أكثر من عقار أو سيارة من سعة محرك معين.

المشروع يلقى حتى الآن معارضة شديدة، ودفع أصحاب المهن الحرة للجوء إلى نقاباتهم لكي تفاوض الحكومة، من أجل الوصول إلى صيغة أكثر رحمة، فيما يخص وصفها للفئات التي لا تستحق الدعم.

وكما هو متوقع، فقد نجحت النقابات، من وجهة نظرها، بإقناع الحكومة بالتخفيف من حدة هذا المشروع، بحيث أنها أعادت بعض الفئات إلى الدعم، وهي لا تتجاوز نسبة الـ 5 بالمئة من الأطباء والمهندسين والمحامين.

إذاً كما هو واضح، فالنظام يتبع خطة خبيثة من خلال تنفيذه لمشروع سحب الدعم.. فهو لم يعد سياسة حكومية فحسب، وإنما بات مطلباً شعبياً، أيضاً.