هشام سكيف
هشام سكيف

كاتب وسياسي سوري 

الأسد وعودة الابن الضال

تغيرت ملامح العالم كثيراً فما بعد الحرب الروسية على أوكرانية ليس كما قبلها فقد فرضت هذه الحرب إيقاعها على كامل العلاقات الدولية وعلى استراتيجيات المواجهة بين روسيا والغرب ككل وبين روسيا , و الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص وقد صممت كلا الدولتين علاقتيهما الدولية وصنفتها على هذا الأساس ، فيما بدت موسكو في مأزق كبير سيما أن الملف الأوكراني تعتبره من نسيج أمنها القومي بل ومنطقها الأساسي لإرجاع الاتحاد السوفييتي بنكهة بوتينية لذلك كانت مضطرة وفق وقائع الميدان إلى تخفيف العبء لناحية الملفات الساخنة وعلى رأسها وأهمها الملف السوري .

مقايضات روسية إيرانية على الملف النووي والأسد..

بعدما أشعل بوتين الحرب على أوكرانيا تلقى صدمةً مروعة من خلال العقوبات الغربية القاسية جداً عليه وعلى الطبقة الأوليغارشية الحاكمة والمتحكمة في الاقتصاد الروسي ، في تلك الأثناء لاح في الأفق الاتفاق النووي الإيراني الغربي و الذي كان على وشك التوقيع حينها ، لذلك بقي الموقف الإيراني من الحرب متأرجحاً بين دعم خجول لبوتين وبين إدانة استرضائية للولايات المتحدة الأمريكية ، برغماتية إيران كانت مقلقة لموسكو ، مما دفعها إلى وضع شروط إضافية على ذلك الاتفاق ، يستثنيني شركاتها المعاقبة غربياً من صفقات وعوائد عملية رفع العقوبات على إيران، ، ومع تأزم الوضع بشكل أكبر بعد فشل خطة بوتين في الحرب الخاطفة على أوكرانيا ووقوعه في مستنقع حرب استنزاف ـ لا يبدو لها نهاية الى الآن ـ أصبح لزاماً على موسكو إعادة ترتيب أوراقها وخاصة ورقتها في سوريا ، فروسيا بحاجة إلى تقليص وجودها في سوريا لغايات عسكرية وسياسية واقتصادية فعسكرياً بوتين بحاجة إلى جنرالاته الذين حققوا له التفوق في سوريا وبحاجة إلى العديد المدرب ، وسياسياً تريد موسكو تخفيف الضغط السياسي عليها والذي كان بفعل الملف السوري ، واقتصادياً لم تعد لدى بوتين القدرة على هدر الموارد في ظل ارتفاع التكلفة العسكرية لحربه على أوكرانيا وللتعويض عن الشروط الإضافية التي وضعتها روسيا مما تسبب إلى جانب طلب إيران إزالة الحرس الثوري من قائمة الإرهاب بتأخير أو تعثر الاتفاق النووي وجعله حلما بعيد المنال في الوقت الحالي ، نعتقد بإن صفقة ما جرت بين موسكو وطهران في سياق تبادل المصالح بينمها لذلك نرى انسحابات روسية لصالح المليشيات الإيرانية وهذا سيؤثر بشكل كبير على الأسد الذي وقف طويلاً على باب الروس طالباً المساعدات ولكنه تلقى أجوبة قاسية (( الدفع نقداً )

طهران تقرع جرس الاستدعاء للأسد

الأسد بات في وضع صعب جداً بعد غرق بوتين في حرب استنزاف تبدو طويلة الأمد ـ كما صرحت وكالة الاستخبارات الأمريكية وهيئة الأركان البريطانية ـ فهو كان على أجهزة الإنعاش الروسية و التي وفرت له النذر اليسير لكي يبقى على قيد الحياة ولو كان ذلك مقابل أكلاف باهظة يدفعها للروس إلا أن الدعم السياسي الذي تؤمنه له روسيا والدفاع المستميت عنه في مجلس الأمن كان كافيا للأسد كي يسكت حتى عندما تطبق عليه موسكو كل ملامح دولة الاحتلال غير المعلن ، كل هذه الأرباح فقدها الأسد ، أو في طريقه لفقدانها كلياً سيما أن موسكو بدأت فعليا بتقليص وجودها في سوريا لصالح إيران وقد جاء ذلك التقليص وفق منهج موسكو في تجميع الأوراق المؤثرة ضد الغرب و ولضمان عدم تعويض طهران للنقص الحاصل في سوق النفط ولقطع الطريق على أي مناورة إيرانية برغماتية ولكي تجعل إيران بشكل كلي ضمن محور روسية وحربها على أوكرانيا ، ووفق تلك المعادلات الجديدة بدأت طهران تتحرك بشكل أكبر وخاصة بعد تعرضها أيضاً لضربات سياسية موجعة في العراق وسياسة وعسكرية في اليمن وتحسباً من ضربات أكثر إيلاما قد تأتي عبر صناديق بيروت الانتخابية ، وهي كانت تراقب بحذر وقلق التحرك الروسي الحثيث للضغط على الدول العربية للتطبيع مع الأسد والثمن الذي كانت تغري موسكو الدول التي تضغط عليها هو علاقة الأسد وخضوعه لإيران وميلشياتها ، فقد كان ذلك وهو العنوان الكبير الذي يتم الحديث عنه مع كل مبادرة تطبيع كانت تدفع بها موسكو ، وفي ظل المتغيرات الدولية التي طرأت بفعل الحرب الروسية على أوكرانيا شعرت طهران بالحاجة الماسة إلى خطوة أكبر من ايفاد مسؤول رفيع الى الأسد كما جرت العادة بل قرعت جرس الاستدعاء لبشار الأسد لتحقق جملة أهداف تتلخص في :

• ارسال رسالة واضحة ولا تقبل التأويل أن بشار الأسد ورقة مملوكة لطهران

• تثبيت النفوذ في المناطق التي خضعت لاتفاقيات بين موسكو والمجتمع الدولي في جنوب سوريا حوران ومناطق الحدود والتصريح بذلك علنا عن عزم طهران وميليشياتها جعل جنوب سوريا شبيه بجنوب لبنان

• تقوية ملف حزب الله حيث أن الاستدعاء أتى وحزب الله يخوض معركة كسر عظم في انتخابات لبنان المصيرية وقد تم التصريح بذلك عن عدم السماح بالمساس بحلفاء طهران في سوريا في إشارة الى الحزب الله الإرهابي

الأسد الابن الضال الذي عاد لحضن مشروعه الإيراني:

الزيارة غير المعلنة وطريقة الاستقبال وجلوس بشار أمام زعيم محور الشر الخامنئي والتصريحات الإيرانية التي صدرت اثناء وبعد الزيارة كانت كلها مؤشر ات واضحة لا تخطئها العين ولا تحتاج إلى تحليل ولن تنفع بعدها البهلوانيات الأسدية لإظهار الاصطفاف المجاني مع بوتين لأن بوتين في طريقه لمغادرة المغامرة السورية والانتقال إلى خوض حربه الطويلة التي يبدو أنها ستكون نهاية حلمه الكولنيالي ، وفي تدقيق لتصريح وزير الخارجية الإيراني " عبد اللهيان (( إن الرئيس السوري بشار الأسد، حقق حلمه باجتماعه مع المرشد آية الله علي خامنئي. )) نرى ان الاستدعاء جاء على خلفية إعلان الطاعة وعودة الابن الضال الذي لعبت برأسه أحلام اللعب على الحبلين اللذين طالما شكلا له طوق النجاة إلى الآن ولا يبدو من خلال المعطيات أنه سيكون في مأمن في ظل تبعات الحرب الروسية الأوكرانية وإعادة الملف السوري إلى الواجهة من بوابة جرائم بوتين في أكرانيا وسوريا فهل سيكون بشار ورقة تفاوضية بيد الخامنئي والعين ترنو إلى صناديق الانتخابات في بيروت أم ستكون نهايته على يد أحد الذين أمنوا له الرعاية والحماية ، ستكون نهاية عام 2022 ستكون هامة وفاصلة في أعادة ترتيب أوراق المنطقة ولن تكون سوريا والأسد بعيداً عن المتغيرات ..