محمد العويد
محمد العويد

صحفي وكاتب سوري 

كهرباء سوريا .. من حافظ إلى بشار

قاسيون ـ محمد العويد

كان حافظ أسد لا يهتم كثيرا بتقديم المبررات عن الأزمات الاقتصادية والمعاشية التي كانت تعترض حياة الناس...بل وصل الأمر، في بعض الأحيان، إلى أن يصبح الحديث عن أزمة "المحارم"، التي عصفت بالبلد في منتصف الثمانينات، جزءا من الأسرار الحربية التي لا يجب البوح بها، حتى لا يستخدمها العدو ضدنا...!!، فكل شيء كان محرما الحديث به ما لم يرد به نص..وما أقل النصوص في عهد حافظ أسد.....!!

وعلى عكسه تماما، فعل بشار عندما ورث السلطة عن والده، فهو كان شديد الاهتمام بالشرح والتفصيل والتمثيل -من الأمثلة-، والتأشير والتشبير والابتسام والضحك والقهقهة..لذلك، أول ما قام به، وتحت شعار الشفافية ونظرية الكؤوس الملآنة والفارغة، حاول أن يشارك الشعب بهموم العمل الحكومي والأزمات التي تعصف بالبلد، مستغلا شغفه بعد عقود من الكبت والحصر...وعلى هذا النحو، صارت نساء الحارة ورجالاتها من كبار السن والمتقاعدين، يتحدثون بالأرقام عن واقع الكهرباء والمياه والنفط والنقل بالبلد..إلخ، معتمدين على صراحة الوزراء، الذين انفتحت قريحتهم عن آخرها...!!

من أكثر الوزراء الذين أسهبوا في شرح مشاكل قطاعهم، كان وزراء الكهرباء والنفط..القطاعان الأكثر حيوية في حياة الناس المعاشية..فكما هو معروف أن إنتاج سوريا من النفط في بداية عهد بشار كان يقترب من الـ /700/ ألف برميل يوميا، لكنه في عام 2003 وبعد الغزو الأمريكي للعراق، تراجع إلى /380/ ألف برميل يوميا..وهي الفضيحة التي لم تستوقف أحد، وكانت أولى /تخبيصات/ بشار في الحكم..ومعروف أن سببها كان موقفه من تلك الحرب، فلم يكن قادرا على قراءة موازين القوى في تلك الفترة، فاتخذ موقفا /خنفشاريا/، كلف البلد الكثير من الأزمات فيما بعد..؟!

أما بالنسبة لقطاع الكهرباء، فكما هو معروف أن سوريا منذ أيام حافظ أسد لم تعرف استقرارا في هذا القطاع، وظل انقطاع الكهرباء برنامجا يوميا حتى نهاية التسعينيات تقريبا، عندما أصبحت سوريا جزءا من مشروع الربط الكهربائي العربي..والذي سمح لها بتغطية النقص من خلاله، عبر الأردن تحديدا..

أما على مستوى تطور هذا القطاع داخليا، فمعروف أيضا، أن المشروع الأكبر والأضخم الذي نفذه حافظ أسد في هذا الإطار، كان محطة تشرين الحرارية..إلا أن السنوات الطويلة التي استغرقها تنفيذ هذا المشروع، كشف عن عيوب كثيرة فيه..إضافة إلى أن قطاع الكهرباء ذاته تطور صناعيا، مع دخول تقنيات جديدة عليه، للحد من استهلاك الطاقة المستخدمة في تلك المحطات..لذلك لم يتم الاستفادة إطلاقا من محطة تشرين الحرارية بل تحولت عبئا على البلد، وهي التي كلفت ميزانيتها مئات ملايين الدولارات....!!، فما هو الحل مع هذا الواقع...؟!، وما هي الطريقة لتحميل الشعب فشل هذه المشاريع والسياسات الاقتصادية...؟!، هذا ما حاول بشار القيام به عبر فتح خطوط الشفافية بين المسؤوليين والشعب...إنه عمل بالضبط على إشعار المواطن بذنب لم يقترفه ولا يتحمل مسؤوليته..من خلال الإغراق بتفاصيل تقنية وفنية، جعلت الناس في كثير من الأحيان تشعر بالإشفاق على الدولة..فمثلا يمكن الرجوع إلى جميع تصريحات وزراء الكهرباء في عهد بشار، وهم خمسة على ما أعتقد، سوف نجد انسجاما كبيرا في كلامهم وهم يتحدثون عن الدعم الذي تقدمه الدولة لهذا القطاع والخسائر التي تتحملها في سبيل "المواطن"...!!، ومن هذه البيانات أن الدولة تخسر يوميا في قطاع الكهرباء ما قيمته /450/ مليون ليرة...بسبب أنها تبيع الكهرباء للمواطن أقل بكثير من الأسعار العالمية، وكأن المواطن السوري كان يتقاضى ما يتقاضاه مواطنو الدول الغنية..

وحتى عند مناقشة هذا الرقم، فإن سبب الخسائر لا يعود في أغلبه إلى السعر المنخفض المقدم للمواطن، وإنما بسبب الهدر الناتج عن عدم كفاية محطات التحويل...فكما هو معروف أن المسافة العلمية بين محطة وأخرى يجب ألا تتجاوز الـ / 50/ كيلو متر، بينما كانت في سوريا تتجاوز في بعض المناطق الـ /200/ كيلو متر، وهو ما كان يتسبب بضياع كبير في الطاقة الكهربائية الموزعة، وكانت تقدرها الأوساط الحكومية بنحو /250/ مليون ليرة يوميا..وهذه لا يتحمل مسؤوليتها الناس وإنما الحكومة التي كانت عاجزة عن إنشاء محطات تحويل كافية...وحتى عندما بدأت بإنشاء محطات فإنها منحت عقودها لإيران والصين، وبتكلفة للمحطة الواحدة تجاوزت الـ /400/ مليون ليرة...غير أن التنفيذ كان سيئا..وأغلبها لم يعمل بشكل جيد...طبعا لا أريد الدخول بالمزيد من التفاصيل الفنية حول توليد الكهرباء على الفيول والغاز وعجز النظام عن الدفع بهذه المشاريع التي كان من الممكن أن تخفف كثيرا من /الرغي/ الحكومي حول الأعباء التي يتحملها في سبيل "المواطن"...

بقي شيء أريد أن أذكره، وهو أنه في عهد بشار كان على الدوام هناك رقمان حكوميان...رقم للوزراء...ورقم خاص بنائب رئيس الوزراء آنذاك، عبد الله الدردري..فمثلا، وبالعودة إلى الرقم الذي كان يتحدث به وزراء الكهرباء عن الخسائر اليومية والبالغ /450/ مليون ليرة، فإننا نستنتج أن مجموع هذا الرقم على مدار عام كامل يصل تقريبا إلى / 4/ مليار دولار سنويا، بينما كان الدردري يقول أن قيمة دعم الكهرباء تكلف الدولة سنويا أكثر من /10/ مليارات دولار..وهو رقم قادر على بناء ثلاثة محطات نووية لتوليد الكهرباء...لذلك قال له مرة أحد الفضوليين: أنا عن الشعب السوري...لدينا الاستعداد أن نعيش ستة أشهر كاملة بلا كهرباء مقابل أن تحل الأزمة بشكل نهائي ويتوقف هذا /الرغي/ الحكومي....!!