مصطفى بيك
مصطفى بيك

إعلامي سوري مهتم بقضايا السوريين في تركيا

أحداث كازاخستان وتكاتف الديكتاتوريات

قاسيون ـ مصطفى بيك

من يتابع إعلام النظام السوري ، في تغطيته لأخبار الثورة الشعبية العارمة في كازاخستان ، سوف يلاحظ أن هذا الإعلام لا ينقل سوى الأخبار التي تتحدث عن اعتداءات المتظاهرين على الشرطة والممتلكات العامة ، وتصويرهم على أنهم إرهابيون ، في إستحضار للطريقة ذاتها التي قام بها بتغطية أحداث الثورة السورية .

يسعى هذا الإعلام ويفعل ما بوسعه ، لقلب الحقائق وتجاهل التاريخ الديكتاتوري العريق في كازاخستان ، مقدما معلومات عن هذا البلد وكأنه كان جنة الديمقراطية في العالم ، ومواطنوه يعيشون ظروفا أفضل بكثير من المواطن الأوروبي والأمريكي ، من حيث الرفاهية والرقي .

لاشك أن ذلك يعبر عن خوف النظام السوري من نجاح الثورة الشعبية في كازاخستان ، وقلب نظام الحكم هناك ، لأن ذلك سوف يعني تلاشي قبضة روسيا عن منطقة تقع في الخاصرة الحساسة من جغرافيتها ، وبالتالي فإن أي تغيير يعني أن الثورات الشعبية سوف تنتقل إلى باقي الجمهوريات الديكتاتورية المحيطة بروسيا ، والتي تستخدمها هذه الأخيرة كجدار حماية لها ، في مواجهة الغرب .

تبلغ مساحة كازاخستان أكثر من 2.7 مليون كيلو متر مربع ، وهي تاسع دولة في العالم من حيث المساحة ، وعدد سكانها يبلغ نحو 20 مليون نسمة ، وبفضل موقعها الجغرافي المميز وسط آسيا، تُعَدّ كازاخستان القطعة الأكثر أهمية على رقعة الصراع الجيوسياسي المشتعل بين روسيا والغرب، وبالأخصّ الولايات المتحدة الأمريكية.

تعتبر كازاخستان أقوى الدول اقتصادياً في منطقة آسيا الوسطى، وهي المسؤولة وحدها عن إنتاج نحو 60% من الإنتاج الإجمالي لهذه المنطقة من الناحية المحلية، إذ تشتهر بصناعة النفط والغاز المنتشرة في البلاد، بالإضافة إلى مواردها المعدنية الوفيرة.

وبينما بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 179 مليار دولار العام الماضي، بلغ الناتج الفردي السنوي نحو 9 آلاف و686 دولار، ووصل معدل النمو السنوي إلى 4.5%. ويعتمد اقتصاد كازاخستان اعتماداً شبه كلّيّ على صادرات النفط التي تشكّل نحو 56% من الصادرات الكلية و55% من ميزانية الدولة، كما تُعتبر كازاخستان إحدى أهمّ الدول المنتجة للغاز في آسيا.

وإلى جانب الموارد الطبيعية، يشكّل قطاع الخدمات نحو 52% من إجمالي الناتج المحلي، فيما تشكّل الزراعة ما يقرب من 5% من الناتج المحلي الإجمالي في كازاخستان. وتُعَدّ الصين أحد الشركاء الاقتصاديين والتجاريين الرئيسيين لكازاخستان، خصوصاً بعدما أطلقت الصين مبادرة الحزام والطريق عام 2013، إذ منُحت كازاخستان دوراً مهمّاً كمركز عبور.

وفي المجال السياسي كانت كازاخستان آخر الجمهوريات السوفييتية التي أعلنت استقلالها في أثناء تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991. وعقب نيلها الاستقلال أعلنت كازاخستان نفسها جمهورية ديمقراطية علمانية دستورية، وأقرَّت دستورها عام 1993 وعدَّلَته عام 1995.

وتتبنى كازاخستان نظام الحكم الرئاسي، إذ يُعتبر الرئيس رأس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتبعه مجلس الوزراء. وتَولَّى نور سلطان نزارباييف رئاسة الجمهورية من 1 ديسمبر/كانون الأول عام 1991 حتى استقالته من منصبه في مارس/آذار 2019، ليحلّ مكانه قاسم جومارت كيميلوفيتش توكاييف، الذي تصفه المعارضة بأنه دمية بيد نزارباييف الذي كانت استقالته شكلية، لاستمرار سياساته.

وفي كازاخستان حالياً 10 أحزاب سياسية مسجلة، أكبرها الحزب الشعبي الديمقراطي "نور-أوتان".

في الأيام الأخيرة أصبحت كازاخستان من أهمّ القطع على رقعة الصراع الجيوسياسي بين روسيا والصين من جهة، والغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى.

ويرى الخبراء المتابعون للشأن الكازاخي أن البلاد تخطو حالياً نفس الخطوات التي خطتها الثورة الملونة بأوكرانيا، التي بدأت باحتجاجات مناهضة للحكومة والنفوذ الروسي، الأمر الذي تُظهِره مقاطع الفيديو باللغتين الروسية والكازاخية التي تداولتها وسائل الإعلام المحلية والعالمية.

ومن الطبيعي أن تحاول أمريكا والدول الغربية دعم القوى والنخب الليبرالية في البلاد التي درست بالجامعات الغربية، والتي تنادي للتحالف مع الاتحاد الأوروبي على حساب التحالف مع موسكو. وربما بدأت واشنطن حالياً تنفيذ الخطط التي ترمي إلى تسليم السلطة لقوى ليبرالية ذات توجه غربي، بما يسمح لاحقاً لأمريكا وحلفائها بإحكام سيطرتهم على منطقة وسط آسيا الوسطى، وبالتالي تضييق الخناق أكثر على روسيا والصين.

تجدر الإشارة إلى أن الاحتجاجات الشعبية في كازاخستان ، انطلقت احتجاجا على رفع أسعار الغاز المسال الذي يستخدمه الناس في التدفئة ، ثم تطور الأمر للاحتجاج على كافة مناحي الحياة المعاشية والسياسية ، وبالذات نظام الحكم الديكتاتوري ، الذي تتهمه المعارضة بسرقة خيرات البلاد .