فؤاد عبد العزيز
فؤاد عبد العزيز

كاتب سوري مدير تحرير وكالة قاسيون

آلام السيد السوري

فؤاد عبد العزيز
لقد عرضتنا رحلة اللجوء لتجارب وأحداث ما كنا لنتخيلها قبل العام 2011 ، ومرة قلت لصديق التقيته في مدينة برلين قبل نحو أربع سنوات : لو أن عرافا أخبرك عندما كنا بدمشق ، أننا سوف نلتقي في يوم من الأيام في ألمانيا ، كيف ستكون ردة فعلك عليه ..؟ فرد : حتى لو قال سنلتقي في الأردن ما كنت لأتخيل الأمر حقيقة ..!
أعيش منذ نحو عشرة أعوام متنقلا بين دولة وأخرى ، وأتلقى اتصالات ومحادثات من أصدقاء يعيشون في شتى أصقاع العالم ، لكن لاتزال الأكثرها إثارة وحميمية ، تلك التي تأتيني من سوريا .. فرغم كل الأهوال التي مرت عليهم ، والتحولات الكبرى التي حصلت في حياتهم ، فلا زالت رائحة البلد في أصواتهم وأنفاسهم .. ورائحة البلد هنا ليست إلا الرعب والخوف ..!
فالسوري في الداخل ، وبعد عشر سنوات مما يقال عن كسر حاجز الخوف ، لايزال يعتقد أن للحيطان آذان ، وأن أجهزة المخابرات تتصنت على المكالمة التي يجريها معك ، وهو على يقين بأنها تراقب كل دقائق وتفاصيل حياته .
قال لي أخ موريتاني تعرفت عليه في باريس ، إنه لاحظ أن السوريين يكثرون من التأشير بأيديهم وهم يتحدثون ، بالإضافة إلى أنهم يتكلمون بصوت مرتفع . فقلت له : نحن شعب عصبي بطبيعتنا ، وهذا مرده على الأغلب لمناخ القمع في البلد وحالة القلق الدائم التي نعيشها منذ أكثر من خمسين عاما ..
أخ ليبي آخر تعرفت عليه أيضا في فرنسا ، قال لي إنه لاحظ أن السوريين يتحدثون كثيرا عن بطولاتهم الفردية ومعاركهم مع الزعران ، وكيف أن الواحد منهم يواجه ثلاثة رجال دفعة واحدة ويلقي بهم أرضا .. ثم سألني : هل هذا يعني أن نموذج "أبو عنتر" من صميم بيئتكم الاجتماعية ..؟
تذكرت في هذه الأثناء حديث سوريان تعرفت عليهما في آن واحد في فرنسا ، كانا يتسابقان برواية البطولات من هذا النوع .. يقف الواحد منهما ويشرح مستخدما يديه ورجليه وكاصا على أسنانه ، كيف أنه ضرب الأول بوكسا على وجهه ، وتناول الثاني بقدمه اليمنى والثالث بقدمه اليسرى ، ثم أمسك بأحدهما ، وأخذ يوسعه ضربا وركلا بيديه وقدميه ..
قلت للأخ الليبي : هذه من العادات المخجلة التي يتمتع بها أبناء بلاد الشام على حد سواء .. لكن بكل الأحوال ، لا تصدق كل ما يقال أمامك .. نحن لازلنا مقهورين حتى لو خرجنا من بلادنا وعشنا في أرقى دول العالم ..!
أما صديقي في الداخل السوري ، فيصر على إعادة الكلام ذاته في كل مرة نتواصل فيها .. يتحدث عن الأوضاع المعيشية الصعبة ، والغلاء والكهرباء والمياه ، وكيف أن الناس تغيرت في الداخل ولم تعد كما هي .. ثم يؤكد لي أنني إذا عدت الآن إلى سوريا فلن أستطيع العيش فيها سوى لبضعة أيام ..
أفهم من كلام صديقي أن مشاكل من هم في الداخل ، تحل جميعها فيما لو حصل أحدهم على 100 دولار إضافية كل شهر .. فأقول له : مشاكلكم بسيطة بالمقارنة مع مشاكلنا نحن الذين في الخارج .. لقد أصبحت قضيتنا دولية ، ولا يمكن حلها بالنقود ، وهي على الأغلب باتت بحاجة لأن يتغير النظام العالمي كله ..
تسألني الموظفة المسؤولة عن مكتب العمل : لماذا بعد تواجدك في فرنسا على مدى عشر سنوات ، لم تتعلم اللغة ولم تجد أي عمل تقوم به .. ؟ وتضيف : أعلم أنك كنت صحفيا معروفا في بلدك ، لكن يجب أن تتقبل الواقع هنا وتعمل في أي شيء ، حتى في أعمال التنظيف والأعمال العضلية ..
تخاطبني بكلمة سيدي .. لكني أشعر بها وكأنها تقول لي : سيدي أنت حمار ..
في عتمة الليل السحيق ومن شباك غرفتي المطل على نهر كاركاسون في اقصى الجنوب الفرنسي ، كان يأتيني صوت بعيد لمواويل عربية من ذلك النوع الذي يتحدث عن غدر الزمان .. كان الصوت موغلا في البعد ومختلطا بحفيف الاشجار لدرجة يصعب تتبعه ... كان أشبه بأنين مكتوم ، لكنه كان لذيذا .. أغمضت عيني ورحت ادندن معه متخيلا صاحب الصوت أديب الدايخ أو أبو حسن الحريتاني .. للحظات طافت بي المخيلة الى ايام الشباب في التسعينيات عندما كنا نواجه خيباتنا بالاستماع للأغاني الحزينة ، فنهرش آهاتنا كما نهرش الجرب ..
بدأ الصوت يقترب ويعلو أكثر ... وقفت على الشباك محاولا تتبع مصدره .. أرهفت السمع .. لم يكن صوت غناء ... وانما كان انين عاشقين او زوجين في احد القوارب المنتشرة على طول النهر ... عدت الى سريري مع ابتسامة خيبة ..
ما أكبر الشبه بين الألم و اللذة .. !