فؤاد عبد العزيز
فؤاد عبد العزيز

كاتب سوري مدير تحرير وكالة قاسيون

النعيم الأوروبي

قاسيون ـ فؤاد عبد العزيز

من الصعب أن تقنع سوريا يعيش في تركيا منذ عدة سنوات ، ويعمل لأكثر من 10 ساعات يوميا ، وبراتب لا يزيد عن 300 دولار شهريا ، أن البقاء هنا أفضل بكثير من الهجرة إلى أوروبا .. عبثا تحدثه عن الفوارق الثقافية وصعوبة التأقلم ، والبرد الشديد ، في الطقس والعلاقات الاجتماعية ، فهو سرعان ما يصم أذنيه ليعطيك إياها من الآخر :"بكفي أن الإنسان هناك لا يخاف من بكرا ..؟!" ويقصد الغد المعيشي ..

هذه العبارة تقف حائلا بينك وبين الاستمرار في الحوار مع أي سوري يعيش في بلدان اللجوء غير الأوروبي ، لأنك إذا كنت رب أسرة ، تدرك معنى أن يعجز الرجل عن تأمين الخبز والدواء واللباس لعياله ، والحماية لهم من أصحاب البلد الأصليين ونظرات الاحتقار والدونية .. فهي مشاهد قد يتحمل المرء ضغطها لسنة أو لسنتين ، ولكن من الصعب ، أن يعيشها مدى حياته ، وسط غياب الأفق والأمل بالعودة مجددا إلى سوريا ..

لكن يجب أن تدرك أن "الإطمئنان من بكرا" ليس مجانيا في أوروبا ، وإنما على حساب أشياء مهمة وأساسية في منظومة قيمك وتفكيرك .. قد يكون الخوف من الغد المعيشي ، غير موجود هناك ، لكن سوف تمضي باقي حياتك حزينا وخائفا من الغد المستقبلي : كيف سأزوج بناتي ..؟ ومن يضمن أن لا يضيع أولادي في ملذات أوروبا ..؟ وعندما أموت ، أين سأدفن ..؟ وهل من المعقول أن يحرقون جثتي إذا تخلى أولادي عني ..؟ .. هذه الأسئلة أكثر ما ستخطر على بالك وتسيطر على تفكيرك عندما تستقر الأمور بك هناك ، وتصبح مطمئنا إلى أنك لن تبحث بعد اليوم عن تأمين لقمة الخبز والدواء لأطفالك ..

بالنسبة للشباب ، الأمر مختلف ، فقد تكون أوروبا هي أنسب مكان يلجأون إليه ويعملون به ويدرسون ، وهم من جهة ثانية أكثر قدرة على التغلب على الصعوبات ، التي قد يعجز عن مواجهتها أرباب الأسر من الأعمار المتوسطة وما فوق .. وهي صعوبات أغلبها تتعلق باللغة ، وفقدان الصحبة ، وذكريات الزمن الجميل ، وضياع الأمجاد ، فهو سوف يتحول في أوروبا إلى إنسان بلا ماض ولا ثقافة ولا تاريخ ، وإلى أب ممل وبلا سلطة ، وإلى زوج ليس قواما على زوجته .. هؤلاء ما أكثرهم في أوروبا ، وهم اليوم يلعبون دور "المرجفين" لكل من يفكر باللجوء إلى هناك من السوريين .

خلاصة القول ، ليس كل السوريين الذين لجؤوا إلى أوروبا ، تعيسين ، لكن نسبة كبيرة منهم كذلك.. وهؤلاء أنفسهم لو خيرتهم بالعودة إلى سوريا أو إلى موطن آخر بعيدا عن أوروبا ، لرفضوا بلا تردد .. لأن الإنسان يألف أحيانا التعاسة والحزن والوحدة ، لكنه أبدا لا يستطيع التآلف مع الفقر والجوع والحرمان والذل والظلم .. وهذه الأشياء للأمانة غير موجودة في أوروبا ..