فؤاد عبد العزيز
فؤاد عبد العزيز

كاتب سوري مدير تحرير وكالة قاسيون

التشيع العقاري في دمشق

قاسيون ـ فؤاد عبد العزيز

تشبه سياسة إيران في احتلال مدينة دمشق، سياسة الصهاينة عندما كانوا يشترون عقارات الفلسطينيين في فترات سابقة على النكبة، ثم تبين فيما بعد أن سياسة الشراء هذه لم تكن إلا مقدمة لاحتلال البلد بسندات تمليك رسمية.

وإذا كان الصهاينة قد دفعوا أموالاً، يقال إنها كانت باهظة، لدفع البعض من الفلسطينيين لبيع أملاكه تحت إغواء المال، فإن الإيرانيين وبحسب ما يروى، يدفعون أثماناً بخسة، مستغلين حالة الخوف والجزع والفقر التي استبدت ببعض السوريين الذين تعرضوا للتنكيل من قبل أجهزة مخابرات النظام، ما اضطرهم للبيع لتمويل نفقات الهجرة في كثير من الأحيان..

لكن تبقى الحالة السورية فريدة من نوعها، لأن النظام الحاكم والذي يدعي نسبته للبلد، هو من يساعد إيران كطرف خارجي، للسيطرة العقارية على بلده.. وهو من يمنحها كل التسهيلات لأن تنشر مذهبها الطائفي وتفرضه على الأرض بالطريقة التي تريد، سواء عن طريق عمليات التدمير والتهجير المباشر أو من خلال عمليات البيع والشراء وبالذات في المناطق التي لا تريد إيران أن يقترب الدمار منها، لأنها تدعي أنها مقدسة..

تعود بدايات محاولات نظام الأسد لنشر المذهب الشيعي بين طائفته بالدرجة الأولى وبين السوريين بالدرجة الثانية، تعود إلى حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، عندما أسس جميل الأسد شقيق حافظ الأسد، جمعية الإمام المرتضى وافتتح لها فروعاً في أغلب مناطق سوريا، وبالذات القرى البعيدة..

وكان الوعي الديني في تلك الفترة في حدوده الدنيا في تلك المناطق، بحيث أن الناس لم تكن تعرف شيئاً عن المذهب الشيعي .. والكثر من أبناء تلك المناطق اعتقد أن النظام وكأنه يريد إعادة الاهتمام للتدين في أعقاب الصراع مع جماعة "الأخوان المسلمين"، لذلك انضم إلى هذه الجمعية الكثير من أبناء القرى بما فيهم المتعلمون..

غير أن المشروع سرعان ما انتهى بعد فترة بسيطة من انطلاقه، ومن قبل العلويين أنفسهم، وعرفوا أن حافظ أسد يريد تشييعهم، وهو ما رفضوه بشكل قاطع..

ويمكن القول، وضمن مساعي النظام وإيران، لنشر المذهب الشيعي في سوريا، أنهم نجحوا في تشييع أفراد من السنة أكثر من نجاحهم في تشييع العلويين.. كون الضوابط التي يفرضها المذهب الشيعي على المجتمع لا تناسب العلويين إطلاقاً ولا يمكن لهم أن ينسجموا معها..

المرحلة الثانية من حملات التشيع الإيراني في سوريا كانت بعد منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي وبنشاط مباشر من السفارة الإيرانية، التي اتجهت في نشاطها إلى طلبة الجامعات بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى التوجه نحو العشائر العربية التي يعود نسبها إلى الحسين بن علي، كعشيرة "البقارة" على سبيل المثال، حيث نشطت إيران بين أفراد هذه العشيرة وحاولت اللعب على وتر أن نسبهم يعود إلى محمد الباقر ابن الإمام الحسين.. وكل هذه الأنشطة كانت دائماً مصحوبة بالمال ومحاولة استغلال حاجات الناس المادية لإتمام عملية التحول المذهبي.. لهذا نقول أن إيران والنظام نجحا في نشر المذهب الشيعي بين أبناء السنة، إلا أن النتائج على الدوام لم تكن بحجم الجهود والأموال المبذولة.. لأن إيران تريد دمشق بالدرجة الأولى، وفي هذا المكان تحديداً لم تستطع أن تتمدد كما كانت تحلم.. رغم أنها عمدت إلى تقوية أبناء دمشق من الطائفة الشيعية وحاولت دعمهم ومدهم بكل وسائل القوة.. ومع ذلك لم ينتشر في دمشق وعلى مدى أكثر من أربعين عاماً من حكم آل الأسد، ولو إشاعة عن تحول أبناء دمشق من السنة إلى المذهب الشيعي..

أمام عجز النظام وإيران عن السيطرة على دمشق، بدأت المرحلة الثالثة من حملات التشيع، مع توريث بشار الأسد للسلطة في سوريا.. والتي اتخذت منحاً مختلفاً مع عهده، تمثل بدخول رجال أعمال شيعة من غير السوريين، ومدهم بكل الامتيازات للسيطرة عبر المشاريع العقارية.. وكان أبرز رجال الأعمال، الكويتي، عبد الحميد الدشتي، الذي تم منحه أراض واسعة حول منطقة السيدة زينب بدمشق في العام 2008، بحجة أنه يريد تنفيذ مشاريع استثمار عقاري للسوريين، إلا أنه حتى تاريخه لم ينفذ شيئاً من هذه المشاريع..

 كذلك لا يمكن النظر باستهانة إلى ما قام به رامي مخلوف من محاولات لتطييف أعماله الاقتصادية وتخصيص قسم كبير منها لإرضاء إيران وإقناعها بأنها والنظام في خندق طائفي واحد..

لكن، كما ذكرنا دائماً، كان نشاط العلويين لنشر التشيع بين أبناء طائفتهم يجابه بقوة ومصيره الفشل، ولعل آخر هذه الأنشطة والتي تم رفضها من قبل العلويين أنفسهم، هو المدرسة الشيعية التي قام رامي مخلوف بافتتاحها في اللاذقية مؤخراً، ولاقت معارضة ومناهضة كبيرة من السكان هناك..

المرحلة الأخطر في كل هذه العملية، هو استغلال إيران للثورة السورية وصراعها مع النظام، لخدمة مشروعها الطائفي في سوريا عموماً، وفي دمشق على وجه الخصوص..

وبحسب مراقبين، فإن إيران استطاعت خلال الخمس سنوات السابقة، أن تسيطر على مجاميع عقارية كبيرة داخل دمشق في المناطق المحيطة بالأماكن التي تعتبرها مقدسة على وجه الخصوص..

 ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فهي أيضاً أخذت بالتمدد في أي مكان في دمشق تستطيع الاستملاك به وبمساعدة النظام ذاته.. فكل من يريد أن يبيع عقاره وبثمن بخس، فإن إيران ترسل سماسرتها لشرائه..

صحيح أنه لا يوجد هناك نسب ووقائع بالأرقام لهذه الأنشطة، كونها تتم عبر وسطاء، إلا أن المراقبين يؤكدون بأن عقارات المنطقة المحيطة بالمسجد الأموي باتت في أغلبها بقبضة إيران بما فيها الكثير من المحال التجارية في سوق الحميدية والعصرونية وغيرها، وصولاً إلى مناطق أبعد في الريف الدمشقي، في دمر والزبداني والصبورة والقدم والسبينة، ومؤخراً داريا..

ربما يكون التشيع العقاري بدمشق هو أخطر مراحل نشاط إيران لنشر مذهبها في سوريا، فهو يشبه النشاط الاستيطاني الإسرائيلي تماماً.. ومساحات الأراضي الواسعة حول دمشق التي قامت إيران بشرائها سوف تتحول في يوم من الأيام إلى مستوطنات إيرانية شيعية بكل تأكيد.. غير أن من يقرأ تاريخ دمشق عبر القرون السابقة.. سوف يطلع على معلومة شديدة الخطورة.. أن هذه البقعة من سوريا، استطاعت على الدوام أن تذوب الآخرين فيها وتلغي هوياتهم الطائفية والعرقية.. بما في ذلك العلويون، الذين كادوا أن يذوبوا داخل المجتمع الدمشقي لولا أن النظام أنشأ لهم مستوطنات خاصة بهم ومغلقة.. وطبعاً هذا لا يقلل من خطر المشروع الإيراني في المنطقة.. فهو مشروع ظاهره طائفي، لكن في خفاياه هناك الكثير من الخسة والدناءة التي تهدف إلى خلخلة المنطقة بأكملها واستعادة السيطرة الفارسية عليها، بأدوات مذهبية هذه المرة.. وهنا مكمن الخطورة الكبيرة..

لهذا عندما فشل الإيرانيون والنظام في تشييع البشر في دمشق عمدوا الى تشييع الحجر..