سامر العاني
سامر العاني
صحفي سوري مهتم بالشأن السياسي
يكتب في عدة مواقع عربية
له العديد من المقالات والتحقيقات

المراهقة السياسية

قاسيون ـ سامر العاني

"عليّ وعلى أعدائي" يبدو أنّه الشعار الأهم في الدورة الحالية للائتلاف الوطني، بعد عزم مجموعة من أعضاء الائتلاف، على رأسها نصر الحريري وعبد الإله الفهد وأحمد رمضان أن تتحوّل إلى كتلة معطّلة لعمله، على خلفية طرد أعضائها من مناصبهم إثر قرار اتخذته مجموعة من مكونات الائتلاف.

لم يكن من المناسب أمام المجتمع الدولي أن تُحجب الثقة عن الحريري وفريقه، ولم يكن من المناسب التصويت على فصلهم، خشية إضعاف موقف الائتلاف، واستغلال النظام السوري هذا الأمر في المفاوضات الجارية بدعم من الأمم المتحدة، مع أنّه كان يمكن لأكثر من ثلثي أعضاء الهيئة العامة (وهو النصاب اللازم لذلك) أن يصوّتوا على هذا الأمر، فذهب الرأي إلى أن يتم إسقاطهم من خلال الاستحقاق الانتخابي، وهذا ما دفع بعض الأعضاء في كتلة نصر الحريري أن يقفزوا من مركبه، مثل رياض الحسن وعبد الباسط عبد اللطيف وياسر الفرحان (بعد اشتراط الأخير أن يستمر بتقاضي راتب يعادل راتبه في الهيئة السياسية حتى لو لم يعد فيها) لذلك تنازل لمحمد قداح بعد تساوي الأصوات بينهما.

إذن، فالمرحلة القادمة ستكون صعبة على رئيس الائتلاف "سالم المسلط" وهذا ما تشير إليه الأحداث الجارية الآن، ابتداءً من استقالة عبد الإله الفهد من لجنة الحوار، وليس انتهاءً بلقاء أحمد رمضان على إحدى القنوات الفضائية ومهاجمة من تسبب بإسقاطه في الهيئة السياسية، لا بل طرده منها.

يرى من تبقى من كتلة نصر الحريري (وهذا ما جاء على لسان أحمد رمضان) أنّ المشكلة الأساسية هو التدخل التركي في انتخابات الائتلاف، مشيراً إلى ذلك بقوله "معظم انتخابات الائتلاف يتم فيها نوع من التدخل حتى من الحلفاء وهذا أمر ليس إيجابياً" متهماً تركيا بتعطيل العملية الديمقراطية في الائتلاف، وهذا أمر كان من الممكن تصديقه لولا أنّ الانتخابات أسفرت عن سقوط ممثل فرقة الحمزة "محمد ياسين" الذي كان لتركيا رغبة في وصوله إلى الهيئة السياسية، ما يدل على عدم تدخل الأتراك في تفاصيل عمل الائتلاف، وانصرافهم إلى مناقشة الخطوط العريضة في سياسته الخارجية.

إنّ مناقشة الديمقراطية داخل الائتلاف تحتاج لأشخاص يؤمنون بها، هل يحتاج أحد للتذكير بالمبلغ الذي كان يتقاضاه أحمد رمضان ثمناً لصوته خلال فترة الصراعات سابقاً، بين عضوي الائتلاف أحمد الجربا ومصطفى الصباغ على رئاسة الائتلاف؟ وهل يحتاج أحمد رمضان لتذكيره بكمِّ الابتزاز السياسي الذي مارسه على رفاقه خلال قيادته لمجموعة العمل التي انشقت عن الإخوان المسلمين؟، عندما يحدث صراع سياسي داخل الائتلاف، أتمنى ألّا يستخدم سلاح المزاودة بالوطنية وادّعاء الديمقراطية، فكما يقول المثل الشعبي "حارتنا ضيقة ونعرف بعضنا".

بالعودة إلى لب المشكلة، فإنّ من تبقى من كتلة الحريري يعتبرون أنّ مهمتهم الأساسية حالياً هي الانتقام من تركيا عبر أمرين.

الأول هو ضرب المعارضين الذين تربطهم بتركيا علاقات جيدة، وهذا ما بدا واضحاً في حديث أحمد رمضان لإحدى القنوات الفضائية عندما هاجم رئيس الحكومة المؤقتة ورئيس وفد أستانا، اللذان ينظران إلى الحليف التركي بإيجابية وتربطهما معه علاقات جيدة.

وأمّا الثاني فهو الدفع لإدخال الائتلاف الوطني إلى الداخل السوري وفصله جغرافياً عن تركيا، وبالتالي خلق أجواء يمكن البناء عليها لإنهاء علاقة الائتلاف الوطني مع تركيا، وهذا المشروع الذي تبناه الحريري في نهاية ولايته.

من وجهة نظري فإنّ الحريري أقل قدرة على العمل بهذه الملفات، إن لم يكن هناك طرف ما يدعمه بهذا المشروع، فالطريقة العشوائية التي عمل بها تؤكد أنّه كان يريد إتمام الأمر على عجل.

لست ضد دخول الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة وكل مؤسسات الثورة إلى الداخل السوري، فأنا من أشد الداعين لذلك، على أن يتم بطريقة غير مدروسة، ولا يُستخدم هذا الأمر كورقة ضغط وابتزاز سياسي، فهنا تكمن الخطورة، بل هي مقدمة لخيانة كبرى، ففي ظل الظروف الحالية ووجود دول كبرى داعمة للأسد وقسد، لم يبق للثورة السورية أي حليف على الأرض سوى تركيا (مع إقراري بوجود أخطاء في التعاطي مع الملف السوري) والعمل على ضرب العلاقات مع تركيا ودفعها للخروج من الملف هي دعوة لأن يدخل النظام السوري إلى جميع المناطق المحررة خلال يوم واحد إنّ حدث ذلك.

يجب الا ننسى أن أحمد رمضان كان من المعارضين لدخول الائتلاف الوطني إلى الرقة بعد تحريرها، وجعلها عاصمة سياسية للثورة السورية.

فترة التجريب والتدريب بالسوريين انتهت، ووجود مراهقين سياسيين يقامرون بمستقبل الشعب السوري الثائر، كنصر الحريري وأحمد رمضان وعبد الإله الفهد وغيرهم في الائتلاف الوطني، لن يجرّ على المعارضة السورية سوى مزيد من الانتكاسات.

آن الأوان لمحاسبة حقيقية، محاسبة كل من تاجر باسم الشعب السوري لمكتسبات سياسية أو منافع مادية أو لأهداف سلطوية، وإن لم تكن هذه مهمة من نتوسّم بهم خيراً في الائتلاف الوطني في الدورة الحالية، فنحن أمام سنوات عجاف يتحمّل مسؤوليتها الصامتون على كل ذلك الفساد.