loader
عادل قطف
عادل قطف

كاتب سوري وإعلامي وخبير في مناطق الشمال السوري المحرر 

الشمال السوري المحرر .. مآلات وفرص

قاسيون ـ عادل قطف

يصعب اليوم تقييم الوضع في الشمال السوري المحرر ، بشكل نهائي ، نظرا لأن الأوضاع لاتزال غير مستقرة ، بانتظار الحل النهائي ، الذي يتضمن الحل لكامل الأزمة السورية .

لكن لا بأس أن نلقي نظرة على واقع هذا الشمال ، الذي بات منقسما إلى قسمين ، محافظة إدلب ، التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام وهي من تتولى إدارة شؤونها الحياتية اليومية والأمنية وما إلى ذلك ، والقسم الثاني ، يتضمن المناطق التي يسيطر عليها الجيش الوطني بالإضافة إلى العديد من الفصائل العسكرية ، وهي تشمل ، مناطق الباب واعزاز وعفرين والباب وجرابلس ورأس العين ، وغيرها من المناطق التي تقع في ريف حلب الشمالي .

فلو تأملنا في واقع هذا الشمال ، كما قسمناه إلى قسمين ، سوف نجد بعض التفاوت ، في الحالة الأمنية ، إذ أن إدلب أكثر استقرارا من هذه الناحية ، ونقصد التفجيرات والأعمال الإرهابية ، بينما مناطق الجيش الوطني ، فلا تزال الفوضى والاختراقات ، تعبث فيها ، ومرد ذلك برأينا ، إلى عدم وجود قيادة موحدة حقيقية مسؤولة عن ضبط الأمن في هذه المناطق . ناهيك عن فوضى انتشار السلاح والحواجز العسكرية الكثيرة للفصائل المختلفة ، والتي بدل أن تنتج واقعا أمنيا أفضل ، زادت من منسوب أعمال البلطجة والعرقلة والتنمر ، التي يمارسها البعض من القائمين على هذه الحواجز .

ومما لا شك فيه ، فإن الأجسام السياسية في المعارضة ، تتحمل مسؤولية كبيرة ، في إدارة هذه المناطق ، إذ أنها شبه غائبة ، بفعل غياب دورها الاجتماعي والاقتصادي والأمني ، لأسباب يطول شرحها .

وعلى مستوى الحياة المعاشية ، نستطيع القول ، بأن السوريين في كلا القسمين ، يعانون من الغلاء الفاحش ، والأجور المنخفضة ، والظروف الصعبة في تأمين لقمة العيش ، وما يحول دون تحسين هذه الظروف ، هو الأوضاع الأمنية غير المستقرة ، سواء داخليا ، أو بسبب التهديد من قبل جيش النظام والقصف بالطائرات الروسية ، الذي يمنع من قيام مشاريع مستقرة ، توظف عددا كبيرا من اليد العاملة .

أما المشكلة الأكبر التي يعانيها الشمال المحرر ، فهي تكمن في هذا الخليط السكاني ، الذي تم تجميعه من عدد من المحافظات السورية ، والتي كل منها يحمل مفاهيم مختلفة عن الأخرى ، سوى الاجتماعية ، أو من ناحية العادات والتقاليد ، وما إلى ذلك من اختلافات في اللهجات ، وأنماط الحياة والتفكير ..

هذا الوضع ، أدى إلى ضعف الاختلاط ، والحذر في التعامل بين كل هذه المكونات من المجتمع السوري ، بحيث أنها تحولت إلى كونتونات مغلقة داخل المدن الصغيرة ، دون محاولة إيجاد مصالح اقتصادية مشتركة فيما بينها ، أو عمليات دمج ، إلا في الحدود الدنيا ..

فتستطيع بكل سهول ، في مدينة الباب مثلا ، أن تجد أهالي دوما يتجمعون في بناء واحد أو حي واحد ، ومثلهم أهالي حمص أو درعا ، وغيرهم من أبناء المناطق الذين تم تهجيرهم إلى الشمال السوري .

وبحسب هؤلاء الأهالي الذين قدموا من مناطق مختلفة من سوريا ، فإن الحل الذي ينتظرونه ، هو عودته إلى مناطقهم الأصلية ، وهم لا يخطر على بالهم أبدا ، أن يكون المكان الذي يتواجدون فيه هو مستقرهم النهائي ، لذلك يعيشون حياة مؤقتة ، ويتنازعهم حلمان بنفس الوقت ، فإما العودة أو الهجرة إلى أوروبا أو تركيا .

الهدف من العرض السابق ، هو التعرف على مآلات الشمال المحرر ضمن الظروف الحالية ، والتنبؤ بمستقبله ، وفقا للسيناريوهات المتوقعة للحل في سوريا .. وهي بيت القصيد ..

إذ أن الكثير من المراقبين ، يؤكدون أن العودة إلى مسقط الرأس ، يمكن أن تكون شبه مستحيلة ، فيما لو أن القوى المتصارعة داخل سوريا ، وعليها ، تهدف إلى تقسيمها ، فيدراليا ، كما يجري الحديث في الآونة الأخيرة .

ويتحدث البعض ، بأن العديد من الدول والمنظمات ، بدأت تتحدث عن مشاريع إسكان ، ممولة دوليا ، من أجل توفير الاستقرار لمن تم تهجيرهم من مناطقهم ، مع تقديم كافة الخدمات التي تساعدهم على الإقامة الدائمة .

ويقول هؤلاء بأن النظام يفعل كل ما بوسعه من أجل منع هؤلاء من العودة ، حيث بدأ يعد المخططات التنظيمية في المناطق التي تم تهجير سكانها ، من أجل إجراء عمليات تغيير ديموغرافي عليها ، تتناسب وبنيته الطائفية ، داخل مدينة دمشق على وجه الخصوص .

أما السيناريو الآخر ، فهو التوصل إلى حل سياسي يعيد جميع المهجرين إلى مناطقهم ، ويعيد لهم ممتلكاتهم وحضورهم من جديد .. لكن هذا السيناريو ، وعلى الرغم من قوته ، يرى الكثيرون بأنه لا يزال بعيد المنال ، نظرا لأن ظروف الحل السياسي لم تنضج بعد ، ولأن النظام وبالاتفاق مع الكثير من الأطراف الدولية ، بات مقتنعا بمشروع التقسيم ، الذي من وجهة نظره سوف يحفظ له السلطة والسيادة على مناطق ، تضم مؤيديه فقط .. فما حاجته لمن يعارضون نهجه ..؟

بكل الأحوال ، وكما يرى الكثير من المراقبين ، فإن الأزمة السورية ، ومنذ بدايتها ، كانت محكومة بالزمن أكثر من القوة .. بمعنى ما لم يستطع النظام السوري تحقيق بالقوة ، سوف يحققه بالزمن .. فكما أن السوريين الذين هاجروا إلى أوروبا ، لن يعودوا ، لأن أولادهم تعودوا على الحياة هناك ، فهو كذلك يراهن على الجيل الثاني والثالث الذي تم تهجيره إلى مناطق الشمال السوري ، بأن يتمسك بموقعه ، انطلاقا من مصالحه الاقتصادية بالدرجة الأولى ..


  • المزيد من مقالات الكاتب

    كيف نحمي وندافع عن الشمال المحرر ..؟