هل نجح النظام في إدارة لعبة العمل المدني...وفشلت المعارضة؟.
<p style="text-align: justify;">باز بكاري- قاسيون : "من مهام المجتمع المدني إعداد وتدريب قادة سياسيين جدد يمكن لجماعات المصالح والحركات الاجتماعية وفعاليات المجتمع المختلفة أن تقوم بتدريب وإعداد مجموعة أكثر تنوعا وأغنى تمثيلا من القادة السياسيين الجدد، على نحو قد لا تتمكن الأحزاب السياسية من القيام به"</p>
<p style="text-align: justify;">هذه العبارات اقتبستها من مقالة منشورة تتحدث عن مدى أهمية منظمات المجتمع المدني في المساعدة ببناء الدولة، و عبرها ساحاول الولوج إلى لب الموضوع، وهو كيفية تعامل القوى السياسية السورية مع فكرة المجتمع المدني، و من استطاع أن يسخرها لخدمة المجتمع السوري، ومن قام بتسخيرها لمصلحته الضيقة، إضافة للقوى التي همشت و سخفت فكرة فعالية دور هذه المنظمات.</p>
<p style="text-align: justify;">مع تقلب الأحوال في سوريا عام 2011 ، قسم المجتمع السوري، إلى ثلاثة فئات الأولى هي الفئة الموالية، تقابلها الفئة المعارضة، و خرجت فئة أخرى عن السياق، فسميت حيناً بالفئة الرمادية و حيناً بالفئة المسالمة... وغيرها من التسميات حسب التوجهات السياسية لمطلقي التسميات.</p>
<p style="text-align: justify;"> </p>
<p style="text-align: justify;"><strong>النظام لاعب محترف</strong></p>
<p style="text-align: justify;">لا يخفى على أحد إن منظمات المجتمع المدني قبيل الثورة السورية، كانت محصورة في النقابات و الجمعيات الشعبية التي كانت شبه حكومية، وكان للسلطة الحاكمة هيمنتها عليها، إضافة لوجود بعض المنظمات التي لم تكن تلق ذاك الدعم اللازم لتثبت نفسها و تلعب الدور االمناط لها.</p>
<p style="text-align: justify;">لكن تغير الأحوال و كسر الكثير من الحواجز و اقتراب صلاحيات تلك المنظمات الكلاسيكية، فتح المجال للطاقات الشابة السورية لتسلك طرقاً جديدة و طرح أفكار جديدة محاولة بذلك الرقي بالمجتمع السوري ليحاكي المجتمعات المتطورة في العالم الجديد (القرية الكونية).</p>
<p style="text-align: justify;">النظام السياسي الحاكم في سوريا برئاسة «بشار الأسد» استطاع الإستفادة من هذه الطاقات حسب ما توفر له، وعن هذا يحدثنا الناشط المدني و المرشح لعضوية مجلس الشعب السوري في دورته عن قائمة العمل العمل المدني قائلاً: «ما سأقوله هو حقائق وهي أنه تم قبول ترشح حوالي خمسة أشخاص من ناشطي المجتمع المدني إلى الانتخابات البرلمانية وهو أمر إيجابي جدا، يبقى الفرق طبعاً سيحصل فيما لو استطاع هؤلاء الناشطون دخول المجلس وتشكيل قائمة قادرة على الدفع بالعمل الأهلي والمجتمعي ضمن البرلمان)..</p>
<p style="text-align: justify;"> معن الهمة خبير تفاوض وإدارة المشاريع السوري، كما تفيدنا سيرته الذاتية، عاش ظروف الحرب جلها في دمشق العاصمة، وكان له أكثر من مبادرة و منها مبادرة «معاً نقرأ» التي تشجع على القراءة و العودة للكتب، يقول في ظروف العمل المدني خلال السنوات الخمس الماضية :« يمكنني القول بكل ثقة أن هوامش العمل المدني قد اتسعت بشكل كبير أثناء الأزمة وازداد عدد المبادرات واتسعت ونشطت الكثير من الجمعيات وكان هناك نوع من التسامح من الجهات الوصائية اتجاه بعض المخالفات أيضاً ، لما لهذه المبادرات من أثر كبير في تفعيل دور الشباب في ظل ظروف الحرب».</p>
<p style="text-align: justify;"> </p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الهوة بحجم البرزخ...</strong></p>
<p style="text-align: justify;">على الطرف الآخر من الصراع تبلورت حالة من التنظيم و التقسيم، فخرجت هيئات معارضة، لتنظيم العمل السياسي المعارض، مما تبقى من معارضين عانوا الأمريين علي يد قوى الأمن التابعة للنظام كما تبين الوثائق التي خرجت و التقارير المنشورة لمنظمات ذات اهتمام، لم يصمد جل المعارضين في وجه آله القمع و الاغتيال في البلاد ما اضطرهم للخروج، منفيين إلى مهجر صنعوا منه نقطة انطلاق جديدة، و أيضاً حاول النشطاء و أصحاب الفكر الذين لم يجدوا لهم موطئ قدم في بلادهم بناء منظمات و إطلاق مبادرات مدنية لتقدم لمستقبل وطنهم ألواناً جديدة من العمل المدني، و لكن الأمر الذي عكر صفو هذه الإنطلاقة، هو حالة الخصام، أو البعد بين المكونين لللوحة السورية المعارضة، فهنا تتحدث لنا الإعلامية السورية «لمى راجح» ما استوقفها خلال مسيرة عملها الأعلامي قائلة:«خلال عملي لمدة ثلاث سنوات في منظمات المجتمع المدني لم يكن لي أي اتصال مع أجسام الائتلاف أو المجلس الوطني فيما سبق، بل على العكس لطالما شعرت أن هناك برزخ كبير ليس فقط بين منظمات المجتمع المدني والائتلاف بأجسامه بل حتى بين الائتلاف والمجتمع المدني ككل.</p>
<p style="text-align: justify;">فمثلا تتبع المجالس المحلية والتي هي أحد أجسام المجتمع المدني نظريا للائتلاف ولكنها في تمويلها أو حتى في وضع استراتيجيتها لا تتعامل مع الائتلاف، بل من يتحكم في سياسة المجالس المحلية هي إما الجهات المانحة أو الأعيان وكبار المناطق المتواجد بها المجالس وكذلك الكتائب العسكرية».</p>
<p style="text-align: justify;">و تتابع «راجح» في مآلات البعد بين لونين مهمين في اللوحة المعارضة السورية آنفة الذكر أن: «الذبذبة في المواقف والتجاذبات السياسة داخل الائتلاف وسابقا المجلس الوطني أدى لأضعافهما وعدم قدرتهما على تمثيل السوريين والمجتمع المدني، كذلك أظهر الاتئلاف في احيان كثيرة اللامبالاة في أوجاع السوريين وآخرها كان الضجة الإعلامية غير المسبوقة حول قضية الاتجار في 75 فتاةً وسيدةً وعلى الرغم من ردة الفعل الإعلامية التي ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي الرافضة والمستنكرة للجريمة التي وقعت بحق الفتيات، تجد الائتلاف الوطني لم يهز له جفن حول ما حدث على الرغم من اعتبارها قضية حقوقية انسانية تصب في صلب العمل المدني، كذلك لم يقدم الائتلاف رؤية سياسة واضحة أو برنامج سياسي يعمل عليه مستقبلا وكل ما قدمه للشعب كان عبارة عن اجتماعات ومؤتمرات لم يجني ثمارها سوى أعضاء الائتلاف وحدهم».</p>
<p style="text-align: justify;"> </p>
<p style="text-align: justify;"><strong>اختلاف أمتي رحمة</strong></p>
<p style="text-align: justify;">حالة التباين في آراء الشخصيات المعارضة، و خاصة التصريحات الغير منسجمة التي خرج بها أعضاء وفد المعارضة السورية المفاوض في جنيف، شكل ردة فعل عند البعض، بأنها سلبية تصب في خانة الجسم المعارض ككل، في وقت يرون فيه إن وحدة الرأي و القرار أمر مطلوب و بشدة، لكن كان للصحفي السوري «مصطفى السيد» رأي آخر في هذا الموضع بقوله:« الحالة التي تعيشها المعارضة السورية طبيعية، و إن كانت الدول ذات المصلحة، و النظام أيضاً يحاول ترويجها على شكل مرضي» و ذهب «السيد» إلى أبعد من ذلك قائلاً:«كل شخص في الوفد المعارضة يمثل رأي شريحة من الشعب، أو هو صوت لمنطقته التي ينتمي إليها، لذا فحالة التباين صحية جداً، لا بل مطلوبة حتى يسمع صوت كل شريحة و كل شخص سوري، و إن وصلت لحالة شقاق في المعارضة، فالمرحة مصيرية، و الدعوة للحالة الديمقراطية تستوجب فهم هذه التباينات، إن كان الأمر دفاعاً عن حق مشروع».</p>
<p style="text-align: justify;"> </p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تخوين مكاني</strong></p>
<p style="text-align: justify;">الوضع الراهن في سوريا، لا يعكس توجهات المجتمع السوري، فلم يكن هذا المجتمع يوماً بيئة لحالة التطرف التي تطغى اليوم على الساحة، فبين التعصب القومي هنا، و الديني هناك «ضاعت الطاسة» او يحاول أصحاب المصلحة تضييعها، و تقديم سوريا على أنها مصدرة للشرور، و للحالة المتطرفة التي تحمل الحقد و الضغينة لكل المجتمعات حولها.</p>
<p style="text-align: justify;"> يكمل الصحفي «مصطفى السيد» حديثه بهذا النحو:« سياسة التهجير التي اعتمدتها الأجهزة الأمنية التابعة للنظام الحاكم، ركزت على الكتل الواعية في المجتمع، لحملها على الخروج تحت الضغوطات الممارسة بطرق مختلفة، و لكن هذا لا يعني إن السياسة التي اتبعت على الطرف الآخر بأن كل من بقي في الداخل (خائن) و كل من أصبح خارج البلاد(شريف)، فالأمور لا تقاس بهذا الشكل، بل تقاس على ما تقدمه الشخصيات التي ترى نفسها واعية ضمن المجتمع المنهك نتيجة الحرب».</p>
<p style="text-align: justify;">وعن حالة التباعد بين الأجسام السياسية المعارضة و العاملين في المجال المدني، من إعلاميين و نشطاء مجتمع مدني، فسر «السيد» الأمر أن :«الكل مسؤول عن هذه الحالة، فالمعارضة و الحكومة المؤقتة على سبيل المثال، لم تكن بأحسن من تلك المنظمات التي كانت تخدم أجهزة الإستخبارات العالمية، للدول ذات المصلحة في سوريا، و الطرفان كان لهما دور سلبي في دفع الأمور إلى ما هي عليه اليوم، و هذا يرجع إلى قلة الوعي بين هذه الشرائح التي لم يكن لها تجربة كهذه في وقت سابق، فالنظام هو كان المتحكم بكل زمام الأمور، و أغلق باب البلاد أمام المنظمات ذات الشأن، لا بل ضيق على المبادرات و الجمعيات الشعبية، و هذا كل دخل في صالح ضياع الجهود، و تحويل هذه المنظمات لعبئ لا حاملة للعبئ».</p>
<p style="text-align: justify;"> إذاً لم يكن النظام السياسي الحاكم لسوريا أصماً حيال الثورة المنادية بالديمقراطية و إفساح المجال أمام العمل المدني، لا بل استفاد من الحالة و تقرب أكثر ممن بقوا في البلاد، ليضرب بذلك عصفورين بحجر، فهو استفاد من الخبرات هذه لتقوية كيانه من الداخل، و كذلك استفاد منها بأنه يقارع بهم من ينادي أن لا عمل مدني في مناطق نفوذه، في مقابل ضعف فهم للحالة من جهة المعارضة، التي لم تسعفها قلة خبرتها و شراهة الممسكين بزمام الأمور فيها للعمل، فأضحى الإعلامي فيها حقوقياَ و راصداً و متطوعاً إغاثياً...إلخ، دون أن ينسى جهود من حاولوا و لا زالوا لإبقاء بصيص أمل.</p>
<p style="text-align: justify;"> </p>
<p style="text-align: justify;"> </p>