«الرفيق» عزت الدوري أم «البعث»؟
<p style="text-align: justify;"><strong>بدت كلمات الأمين العام لحزب «البعث العربي الإشتراكي»، «الرفيق» عزت ابراهيم الدوري، في آخر ظهور متلفز له، أقرب الى «سقطة» تاريخية مثلثة الرأس، «عقائدياً وسياسياً واستراتيجياً»، وأبعد من أن تكون مجرد موقف «براغماتي» يتعاطى مع المرحلة، بناء على سلة المستجدات التي باتت تتحكّم بنسق الحياة السياسية والعسكرية في العراق والمنطقة، خاصة في فترة ما بعد الاحتلال الأميركي العام 2003، وما تلاه من تشكل «جهاز حكم» جديد، منسلخ بشكل نهائي عن عقود من الحكم البعثي في العراق. وبهذا يكون الدوري قد تسبّب بدفن غالبية الحقبة الماضية من نشاطه السياسي، بعد إعلانه وفاتها «سريريّاً» فور انتقالها إلى استخدام مصطلحات لا تنسجم مع ما يُقال عن استمرارية لمشروع «البعث» بشقه العراقي، أو حتى كل ما سلف من ادعاءات تتحدث عن «تصدّيه» لمقعد القيادة في مواجهة مرحلة الاحتلال وما تلاها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ببساطة، ومن دون مقدمات واضحة، خرج الدوري على العالم بمقطع مصور، آثر فيه إعادة إنتاج خيارات بالغة الانتقائية من «الموروثات» التاريخية والعقائدية البعثية، مضيفاً إليها ما تيسّر من عناوين تتصل بطبيعة التخندق الحالي في المنطقة، بشكل منفصل تماماً عن السياق التاريخي الذي أوصل العراق إلى ما هو عليه الآن. فالرجل الذي وقف إلى جانب الرئيس صدام حسين في ما يُعرف بثورة الـسابع عشر من يوليو 1968، التي أطاحت بحكم الرئيس العراقي آنذاك عبد الرحمن عارف، وأسست لنظام «البعث» بقيادة أحمد حسن البكر، بدا اليوم قريباً من هذا التاريخ في معطيات معينة، وبعيداً عنه في أخرى، تُعَد أكثر عمقاً في دلالات «انسلاخه» عن ماضيه السياسي، بمعزل عن مدى «صوابية» التاريخ هذا من عدمه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أعاد «المهيب الركن» الدوري تدوير زوايا السردية العراقية الممتدة منذ العام 2003، وحتى الى ما قبل ذلك. وقف هذه المرة حيث وقف اياد علاوي وأحمد الجلبي وجلال الطالباني وغيرهم من الساسة العراقيين «المعارضين» في فترة حكم صدام حسين، طالباً من الأميركيين «المساعدة»، هذه المرّة ليس لإنقاذ العراق من «ظلم» البعث وحكمه، كما روّجت المعارضة العراقية بشقها الصديق للغرب، بل مما اعتبره الدوري «ظلم» الإيرانيين والطبقة الحاكمة. وهو اذ حمّل واشنطن مسؤولية ما حصل في العراق لناحية اتساع رقعة النفوذ الإيراني، طلب الحماية الأميركية في خطوة تتخطى «أدبيات» «البعث» بمراحل، خاصة أن الأخيرة لم تقم بحملة مراجعة للذات، تفضي الى قبول عراقي «جامع» بدور إيجابي لها، سوى في المساعدة الجوية واللوجستية التي تتلقاها بغداد من الأميركيين في حربهم على تنظيم «الدولة».</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في البعد السياسي، لا يمكن تفسير خطوة الدوري هذه إلا بمحاولة فتح باب على الأميركيين، ربما للعمل على مشروع «متكامل» للعودة سياسياً، والدخول مجدداً إلى بغداد من باب واشنطن، كما دخلها في السابق قسم كبير من النخبة الحالية. لكن الرجل وبخبرته السياسية الممتدة لعقود، يدرك أن الاستقواء بالأميركي لا يمكن أن يكون في مصلحته اليوم، خاصة بعد خسارته قاعدة عمل شعبية وسياسية وعسكرية ضخمة لحساب تنظيم «الدولة الإسلامية». بالتالي، فإن الدوري بات يمثل عبئاً غير مرغوب فيه أميركياً في المرحلة الحالية، وهو مستبعَد عراقياً، خاصة أنه حاول إنعاش «مبادرته» هذه من باب السعودية التي غمز من قناتها، في محاولة لاستقدام وسيط خليجي بينه وبين الأميركيين، وهي الحالة التي تتمّم مجموعة التسريبات التي تحدّثت عن انتقاله للإقامة في السعودية خلال السنوات الماضية لتلقي العلاج، وكذلك العمل على إعادة صياغة تحالفاته. لكنها في الوقت ذاته، ترفع عنه ما تبقى من «مشروعيّة» قومية أو بعثية، فور تبنّيه لأدبيات «دول مجلس التعاون»، خاصة في الأزمة اليمنية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>انعكست «خطبة» الدوري الأخيرة التي جاءت بمثابة «بيان» جديد للحزب، جولة اتصالات نشطة في صفوف أعضاء «القيادة القوميّة» لحزب «البعث». والصورة الأوليّة لواقع هذا الحراك تشي بوجود امتعاض غير مسبوق من تصرّف الدوري، وما يصفه أعضاء أساسيون في القيادة بـ «الخطوة الفردية» التي لا تعكس «إجماعاً» قومياً، حيث تدور الاتصالات في فلك أمين سر «البعث» في السودان وعضو القيادة القوميّة علي الريح السنهوري، وكذلك عضو القيادة القومية وأمين سر قيادة «البعث» في الجزائر أحمد الشوتري، في سبيل الخروج بموقف قوي في مواجهة «الانقلاب» المقبل من قيادة العراق. وفي هذا الوارد تلوح في الأفق بوادر خطوة راديكاليّة تقوم على استبعاد عزت الدوري من القيادة القومية لـ «البعث»، إما لعدم «الأهليّة» أو لسبب «تقني» آخر، واستبداله بشخصية غير عراقيّة، قد تكون على الأرجح رئيس حزب «طليعة لبنان العربي الاشتراكي» عبدالمجيد الرافعي ابن الـ89 سنة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لقد «عاد» الدوري إلى الساحة وأعاد معه الأدبيات السياسية «المنعزلة» عن الواقع بشكل منقطع النظير. فهو يحاول إعادة خلط أوراق الجميع بشكل يتجاوز مخرجات التفاهم النووي بين إيران والغرب، ويتجاوز «الأمر» الأميركي لحلفاء الإقليم بإقفال الملفات الحامية في المنطقة، مع حفظ ما أمكن من مصالحهم. لكنه يتجاوز أيضاً حجم الرجل وقدرته على التأثير في العراق وخارجه، إذ لا يمكن لمنطقه وارتكازاً الى معطيات الواقع، أن يتجاوز خلافه مع محمد يونس الأحمد على قيادة «بعث» العراق. وهو غير قادر بطبيعة الحال على إعادة إنتاج التحالفات في المنطقة، ولا على استثمار التشرذم الطائفي بلبوس «قومي» لاستجلاب دعم خليجي في مواجهة خصوم الداخل، بعد استشعاره وجود تلاشٍ تدريجي في سيطرة تنظيم «الدولة» على مناطق واسعة من العراق. هكذا، يصبح المشروع منتهي الصلاحية منذ اندماج جناحه العسكري مع «الحالة» السلفيّة الجهادية في المنطقة، مشروعاً بديلاً لـ «دولة البغدادي»، إنما بامتداد خارجي أكثر وضوحاً، وأكثر قابلية للانفتاح على الأميركيين. فلم يحدث من قبل أن ظهرت شخصيّة بعثيّة عراقيّة من زمن ما قبل الغزو، وهي على هذا الحال من «الانتهازيّة» في سبيل تحسين شروط الواقع السياسي، أو تماشياً مع راعٍ إقليمي هنا وهناك. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن الصورة النمطية للبعثيين كانت شديدة البياض، إنما المقصود هو في الكم «الأيديولوجي» المتحكم بالخطابة، وهي التي لم تخرج سابقاً عن تحميل غزو العام 2003 تبعات انهيار الدولة العراقية، وكذلك انخراط غالبية دول الخليج التي يتغزّل بمواقفها الدوري، في عملية التسهيل اللوجستي لعمليّة الغزو تلك.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السفير</strong></p>