وكالة قاسيون للأنباء
  • السبت, 21 ديسمبر - 2024

ضد النظام الطائفي لا الطائفة

<p style="text-align: justify;"><strong>بين الفينة والفينة، يُلقى بوجه السوريين بيان أو وثيقة أو رسالة ينشرها علويون سوريون، غالباً مجهولي الهوية والعنوان، وبمجملها تحمل مضموناً لا يُسمن ولا يُغني من جوع، يتخذ من خلالها العلويون موقفاً ضبابياً متردداً قابلاً للتأويل والتلوّن، ولا يعترف بخطأ ارتكبوه قبل خمسة عقود وتشبّثوا به ورسّخوه حتى وصلت سورية إلى ما وصلت إليه.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>لا تعبأ غالبية السوريين كثيراً بالهوية الدينية للعلويين ـ ولا لغيرهم ـ ولا تعنيهم إن كانت هذه الطائفة مُلحقة بالشيعة أم فرقة من فرقها، ولا إن كانوا نصيريين أم جعفريين، ولا إن كان لهم مرجعيات أم ينقلون عقيدتهم بالتقليد، كما لا يعنيهم أيضاً إن كان مصدر تشريعهم كتاب واحد أم أربعة، كل ما يهمهم هو أن تراجع الطائفة مواقفها كجماعة موالية للنظام استخدمها واتكأ عليها لتعميم طغيانه.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>لم يجرؤ أحد حتى الآن على وصف الثورة السورية بـ (الحرب الطائفية)، فلا هي حرب قتل على الهوية، ولا حرب طائفة ضد طائفة أو مذهب ضد مذهب، ولم تشهد مجازر جماعية بسبب الانتماء الديني وحده، ويشهد مسيحيو سورية ودروزها واسماعيليوها وبقايا يهودها على أن القتل على الهوية الدينية لم يجد له مكاناً في سورية حتى الآن.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>لم تكن يوماً العقيدة أو المذهب هي السبب بوقوف نسبة كبرى من العلويين مع النظام، بل الامتيازات المادية والمعنوية والإدارية المتضخمة، ولأجلها آزروه عشرات السنين، ومع انطلاق الثورة لعب النظام على هذا التأييد ليحوّل الأزمة لصراع مذهبي، فمنذ الأسابيع الأولى للانتفاضة خرجت مستشارة الأسد بخطاب طائفي قالت فيه إن الانتفاضة طائفية وتستهدف الأقلية العلوية لا النظام السياسي الذي أقنعهم بأن دورهم التاريخي قد حلّ، وأن مهمتهم هي الثأر لأحداث تعود لنحو 1300 سنة خلت، ونجح بذلك مع شريحة واسعة منهم، فأرسلوا عشرات الآلاف من أبنائهم للموت في سبيل بقائه، وارتكبوا مجازر تلامس التطهير العرقي من أجل ذلك.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>يمكن الجزم بأن مشكلة السوريين مع الطائفة العلوية هي مشكلة سياسية وليست دينية، فمنذ أن تسلم الأسد الأب السلطة قبل نحو خمسة عقود بدأ عملية الفرز الطائفي لصالح العلويين، واستخدمهم لتوطيد أسس حكمه وتوسيع نطاق الدولة الأمنية التي تحمي وجوده، وأشركهم بالسلطة ثم منحهم امتيازات خاصة تزايدت لتصبح استثنائية بكل المقاييس، وأقنع شرائح واسعة منهم بأنهم ـ أفراداً وجماعات ـ أصحاب الأمر والنهي في سورية، وبما أنه هو من يحميهم عليهم بالتالي أن يطيعوه ويحموه.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>تسلم الأسد الأب السلطة عام 1971 بانقلاب عسكري، وأجرى فوراً تغييرات جذرية بجهاز الحكم ووضع ضباطاً علويين في المواقع الحساسة بالجيش والأمن، هيمنوا على هذه الأجهزة وعلى الدولة أيضاً، وتحول حزب البعث والحكومة لأدوات بيد الأمنيين منهم، وصارت المناصب الكبرى من نصيبهم، أو نصيب من يرضون عنهم من الانتهازيين من الطوائف الأخرى، وكذلك الإدارات العامة والامتيازات، وحتى المنح الدراسية الجامعية صارت لهم، والبيوت المجانية والسيارات والمزارع والمساعدات الزراعية والقروض الميسّرة، وسهّل ومن ورثه الحكم لفئة منهم ليصبحوا حيتان مال، استحوذوا على معظم الصفقات التجارية والسياحية ومناقصات الدولة بالتراضي وبأسعار بخسة، فتراكمت الثروات بأيديهم.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>سكت العلويون على سياسة النظام التمييزية، بل وربما قبلوا بها في أعماقهم، فلا أحد برفض نعمة تصله بيسر، ومع الأيام صارت شريحة واسعة منهم تعتبر التميّز حقاً مُكتسباً، وحموا هذا التميّز بأجهزة أمن نارية كانت دائماً تُغطي جرائم النظام وفساده وموبقاته، ما دفع بعض البيئات المعارضة لإقامة حالة من التماهي بين النظام والطائفة كلها، واعتبروها طائفة حاكمة غالبة مُتجبّرة.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>خلال خمسة عقود من حكم النظام الحالي، لم يَعِفّ قسم كبير من العلويين عن الامتيازات، ولم يرفضوا التمييز داخل المجتمع لصالحهم، ولم ينتقدوا فساد رجالاتهم، كما لم يضعوا مجتمعين حداً لتغوّل الأجهزة الأمنية بكافة مناحي الحياة مُستخدمة أبنائهم، ولم يمنعوهم من إذلال السوريين، وبعد الثورة لم يقفوا بوجه توزيع السلاح على المدنيين من طائفتهم، ولم يمنعوا تشكيل ميليشيات مسلحة غير نظامية تتجاوز القانون والشرع والأخلاق، قوامها فلذات أكبادهم الذين زجهم النظام في محرقة الموت، وبطريقهم (عفّشوا) وانتهكوا حرمات بيوت المنكوبين، رغم إدراكهم أن النظام يُدمّر باسمهم ماضي سورية وحاضرها ومستقبلها.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>لم تقتنع الطائفة بأن الخلاص من الأسد هو حبل نجاة سورية، ولم تُصدّق أن دولة المواطنة والحقوق هي الضمانة الوحيدة لمستقبلهم ومستقبل أولادهم، ولم تُدرك أن استفراد طائفة بالحكم بات أمراً منسياً لا يمكن تكراره في سورية، وتلبّسهم الخوف من الحركات المتطرفة المتشددة على الرغم من أن هذه الحركات عدوة لأصحاب الثورة قبل أن تكون عدوة لهم، فصاروا من خوفهم رهناً بيد النظام.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>لم يصدر عن العلويين أي بيان أو وثيقة أو رسالة تؤكد على رغبتهم بالتخلي عن النظام وعن السلطة والمناصب والامتيازات والمناصب، ولم يُعلنوا ثورتهم على النظام من أجل دولة يحكمها قانون واحد لا يُميّز بين السوريين، مع استثناء شريحة وطنية صغيرة العدد انضمت للمعارضة كان يتمنى السوريون أن تكون كبيرة.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>لم يطلب السوريون يوماً أن يُصدِر العلويون بيانات لتوضيح هويتهم الدينية، وليس بمجال اهتمامهم أن يُقنعهم العلويون بصلاح مذهبهم أو عدم صلاحه، كما لم يُطالبوهم بقسر الأشياء واختراع الحجج لإبعاد أنفسهم عن الشيعة أو تقريب أنفسهم من المسيحيين، فالجميع له الحق والحرية بالإيمان بما يشاء من أديان ومذاهب، لكن ما يطلبه غالبية السوريين أن يعترف هؤلاء بأن المدن الثائرة لم تَثُر لسبب ديني أو طائفي، وأن الثورة قامت ضد النظام الطائفي وليس ضد الطائفة، ويرجعوا عن خطأهم ويُعلنوا تأييدهم لإسقاط النظام الطائفي لإقامة دولة ديمقراطية تداولية لا طائفية على أنقاضه، ويساعدوا على الإطاحة بالنظام قبل أن يقدر على تحويل الحرب لحرب أهلية مُدمّرة سيكون وقودها هم أنفسهم.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>&nbsp;</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>المدن</strong></p>
//