وكالة قاسيون للأنباء
  • السبت, 21 ديسمبر - 2024

الانتخابات السورية: مجلس شعب كرتوني آخر؟

<p style="text-align: justify;"><strong>تنتشر الصّور الدّعائية لمرشّحي مجلس الشعب في شوارع العاصمة دمشق بكثافةٍ مثيرةٍ للدهشة. المشهدُ يبدو سوريالياً للغاية. الأرجح أن أغلبَ المُرشّحين ومطربي الملاهي الليلية يقصدون الخطّاطين ذاتهم لـ &laquo;هندسة&raquo; دعاياتهم الطُرقيّة، فالتمايزُ الشكلانيّ بين لافتاتِ المُغنّين ولافتاتِ مُرشّحي البرلمان يكادُ يكون شبه معدوم.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>على المُستوى التنظيميّ يُحاول القائمون على المشهدِ الانتخابيّ إقناعَ الداخل المُقترع بوجودِ تحوّلاتٍ إيجابية تجعلُ انتخاباتِ 13 نيسان مؤهّلةً لإيصالِ ممثّلين حقيقيين عن الشّعب السّوري إلى مقاعدِ البرلمان، وضمن هذا السّياق يدخل &laquo;حزب البعث&raquo; السباق الانتخابي، ولأوّل مرّةٍ منذ تأسيسه، وحيداً وغير مسلّحٍ بحتميّة الأغلبية الّتي كان يحصل عليها، تلقائياً، في الدورات الانتخابية السابقة جميعها.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>&laquo;الجبهة الوطنيّة التقدّمية&raquo; انحلّت (نظرياً). أحزابها واتّحاداتها سوف تُشارك في الانتخابات من دون رافعةٍ بعثيّة. الأحزابُ المكوّنة لهذه الجبهة قالت، عبرَ تسريبٍ نشرته وكالة آكي الإيطالية، إنّها غيرُ راضيةٍ عن حصّتها التمثيلية في الإنتخابات، حتّى أن ثلاثةً من هذه الأحزاب قد حُرمت تماماً من خوضِ المعركة البرلمانيّة.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>يُحاول &laquo;البعثُ&raquo; أن يقدّم نفسه كمنافسٍ مجرّدٍ من امتيازاتِ حقبةِ المادة الدستورية الثامنة الّتي سمّته قائداً في الدولة والمجتمع، ويستعيضُ عن جبهته المنحلّة بقوائم &laquo;وحدةٍ وطنيّة&raquo; تضمّ، إضافةً إلى المُرشّحين البعثيين، ممثلينَ عن أحزابٍ أخرى ومُستقلّين يجمعهم قاسمٌ مُشتركٌ رئيس يتمثّل في كونِهم مقرّبين، بصورةٍ أو بأخرى، من الدوائر السُلطويّة في سوريا.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>الحقيقةُ أنّ قوائم الوحدة الوطنية ليست أكثر أو أقلّ من واجهةٍ مرحليّةٍ كان لا بدّ من تشكيلِها بعد زوالِ الغطاءِ الدستوري الّذي منح &laquo;البعث&raquo;، وجبهته التقدمية، أغلبية 168/250 مقعداً من مقاعدِ مجلس الشعب على امتدادِ العقودِ الأربعةِ الماضية. المطابخُ الّتي نظّمت قوائم الوحدة الوطنية هي ذاتها الّتي دعمت الجبهةَ منذ تأسيسها العام 1972، وليس خافياً على أحد أنّ هذه القوائم ستصلُ إلى كراسيها البرلمانية سواءً بأصواتِ النّاخبين أو بتعويذات السّحرة.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>كيف سيقترع أبناءُ محافظة الرقّة الخاضعة لتنظيم &laquo;داعش&raquo;؟ وكيف سيُمارس أبناء جزءٍ واسعٍ من محافظة حلب وريفها حقّهم الانتخابيّ في ظلّ حصارٍ إسلاميّ راديكاليّ متوحّش؟ ومن سيضمن سلامةَ المُنتخِبين في دير الزور المعزولةِ بريّاً عن عمومِ مناطقِ سيطرة الدولة؟ ماذا عن الأطيافِ الشعبية التي لن تكترث بهذا الاستحقاق الانتخابيّ، كما لم تكترث بما سبقه من استحقاقات، لأنّها كانت، ولا زالت، ترى في هذا الحراكِ عمليةً سياسيةً من طرفٍ واحد؟</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>حالياً، لا قيمةَ لهذه الأسئلة أو لغيرها في حساباتِ الدولة السورية، فالانتخاباتُ يجب أن تُجرى في موعدها حتّى لو اضطرّ المعنيّون إلى إجرائها بما هو متاحٌ من الشّعب وبما هو &laquo;مَرضيٌّ عنه سُلطوياً&raquo; من المرشّحين.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>حرصت الدولة السّورية منذ تدويل الحرب على تثبيتِ دورِ مؤسّساتها، وإن بشكلٍ صوريّ، لتذكير اللاعبين الخارجيين بأنّ القرارات الّتي تخصّ شكلَ الحكمِ في البلادِ وهويّته يجبُ أن يتّخذها السّوريّون وحدهم وإن تحتَ مظلّةٍ أمميّة، وإلى حينِ حدوثِ التسويات الواسعة، والّتي تضمنُ مشاركةِ جميع المكوّنات السياسية والفكرية في بناءِ الدّولة دونَ إقصاءٍ أو تهميش، فإنّه لا بأس بتنظيمِ انتخاباتٍ برلمانية ذات لونٍ واحد، ولا بأس، أيضاً، بالتسامحُ مع تدرّجاتٍ مختلفةٍ من هذا اللون لتصير المشاركةُ مفتوحةً على القوى السّلطوية والتشكيلاتِ الرديفةِ العاملةِ في كنفها إضافةً إلى &laquo;المعارضة الناعمة&raquo; الّضرورية لـ &laquo;ديكور&raquo; الانتخابات. على أي حال، حينَ يُقرّر الروس والأميركيون تعجيلَ دورانِ عجلةِ الحلّ السياسيّ، بعد تفاهمهما على نصيبِ كلٍّ منهما من الكعكةِ السورية، فإنّ انتخاباتٍ برلمانية مبكّرة ستُجرى بمشاركةِ السّلطة وخصومها (الحقيقيين)، حينها لن تساوي الانتخابات، المُزمع إجراؤها في نيسان الجاري، أكثرَ من المالِ الّذي صُرف في حملاتِ المرشّحين.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>المُشكلة الحقيقية تكمنُ في عدمِ اقتناعِ جزءٍ لا بأس به من سوريّي الداخل بجدوى الانتخابات الحالية، ولا يعودُ الأمرُ في ذلك إلى المسبّبات السياسية وحدها، بل إلى الدور الكرتوني الّذي لعبه مجلس الشعب في ظلّ الأزمة.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>خلالِ خمسِ سنواتٍ، بلغَ فيها الفسادُ السّياسيّ ذروته، لم تُحجب الثقة عن وزيرٍ واحد وذلك برغم علانيةِ انتقادِ الشارع لخطايا رجالاتِ الحكومة، بدءاً من وزير ماليتها الّذي دعا السوريين شبه المعدمين، غير مرّة، إلى التقشّف وشدّ الحزام، مروراً بوزارة تجارةٍ داخليةٍ وحمايةِ مستهلِك صار اسمها أقربَ إلى طرفةٍ سمجةٍ يمقتها السوريّون، وانتهاءً بالدّركِ الخفيضِ الّذي وصل إليهِ الواقع التعليمي والثقافيّ في البلاد، والتعداد يطول.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>الحرب لم تعد ذريعةً يُمكن التلطّي خلفها لتبرير الفشل الحكوميّ. هناكَ مبدأ فلسفيّ شائعٌ يقول: &laquo;في الظروفِ غير الطبيعية، لا بدّ من اجتراحِ حلولٍ غير طبيعية، للوصولِ إلى نتائج طبيعية&raquo;، والحلول غير الطبيعية اللازمةُ للتعامل مع الأزمةِ التي تمرّ بها سوريا تستوجبُ الاعتمادَ على كفاءاتٍ نوعية على مستوى الحكومة ورجالاتِ البرلمان، ومن لا يجدُ في نفسه الكفاءة لخدمةِ الشعب السوري، فالأجدرُ به أن يستقيل. بالمناسبة، الاستقالةُ لعدمِ امتلاكِ الكفاءة ثقافةٌ وطنيّة معمّمة عالمياً. هل يستطيعُ أحدكم أن يتذكّر اسمَ آخرِ وزيرٍ سوريّ استقالَ تاركاً كرسيّه لمن هم أكفأ منه؟ البحثُ عن إبرةٍ في كومة قشّ تبدو أسهلَ من إيجادِ رجلِ حكومةٍ واحد أقدمَ على سلوكٍ راقٍ من هذا الطراز.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>الملاماتُ الكثيرة الّتي تُنشر في هذا السّياق ليست ملهاةً نتلذذ بكتابتها وليست مجرّد قدحٍ نورده لأنّنا نهواه، بل هي إضاءةٌ يُمكن للدولة أن تستغلّها لتكسبَ جزءاً يسيراً من الشّارع &laquo;الرّمادي&raquo; الّذي لم ينجرف خلف ثورةٍ مسيّرة خارجياً لكنّه لا يُمانع، في الوقتِ عينه، بأن يتعايش مع شكلٍ حكوميّ أكثر رقياً من الشكل المُهترئ الّذي يسيّر البلاد اليوم. أن ينجح مجلس الشّعب في إثبات فعاليته وإقناعِ الشارع السوريّ بجدوى شغله على مستوى محاسبة صقورِ الحكومة وفاسديها، فإنّه بذلك يزيدُ اتساع الشريحة الشعبية الملتفّة حول الدولة بصالحها وطالحها، الأمر الّذي سيكونُ له أثرٌ ملموس عندما تدقّ ساعةُ المرحلة الانتقالية، وإلى ذلك الحين سيظلّ السؤال الافتراضيّ التالي محتفظاً بوزنه وعلّته: هل سيتضرّر المواطن السوريّ على مستوى معيشته ويوميّاته إذا انحلّ مجلس الشعب وانفرط عقده؟ بالتأكيد لا.</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>&nbsp;</strong></p> <p style="text-align: justify;"><strong>السفير</strong></p>
//