مخلوف غير الآمن
<p style="text-align: justify;"><strong>لماذا نقل رامي مخلوف 63% من أسهم سيرياتيل لصالح شركة مملوكة له، باسم "دركس"، وسجلها في جزر "فيرجن" البريطانية، وذلك منذ العام 2002؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم يكن يومها هناك ثورة أو مظاهر تهديد جدية للحكم بدمشق، ولم يكن رامي مخلوف أو والده أو شقيقه، أو ابن عمته، بشار الأسد، على أية قائمة للعقوبات الدولية، بعد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في العام 2002، كان المشهد في دمشق يشي بأن عملية التوريث لبشار سارت على ما يرام، وكان آل مخلوف، بكبيرهم، محمد، وولديه، رامي وحافظ، وبقية العائلة، مطمئنين، حسب ما يُفترض، إلى أن مكاسبهم من حالة المصاهرة مع آل الأسد، تُعطي ثمارها بوفرة اليوم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في ذلك التاريخ بالضبط، أسس رامي مخلوف "سيرياتيل"، وأحال 63% من أسهمها لشركة أسسها في مكان بعيد آلاف الكيلومترات عن بلده الأم سوريا. لماذا قام بذلك؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في "وثائق بنما"، تظهر دولة بنما، كأحد الملاذات الضريبية الأبرز لأثرياء العالم في الغرب، الذين يريدون التهرب من الجباية الضريبية في بلدانهم. لكن في حالة المسؤولين والحكام العرب، يبدو أن بنما تختلف في نظرهم، فهي بصورة أو بأخرى، تعبير عن عدم شعورهم بالأمان، ومنذ وقت مبكر، قبل موجة ثورات الربيع العربي بقرابة عقد من الزمن، في حالة رامي مخلوف مثلاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لتفسير هذه الظاهرة، قد تكون من أندر الكتب التي كُتبت، مؤلف لأستاذ العلوم السياسية في جامعة كولغيت في نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، مايكل جونستون، يحمل عنوان "متلازمات الفساد: الثروة والسلطة والديمقراطية".</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الميزة في هذا المؤلف الذي صدر منذ عقد تقريباً، أنه يصنف الأنظمة والنخب في العالم حسب طبيعة الفساد في بلدانها. فبينما وصّف الولايات المتحدة واليابان وألمانيا بأنها "أسواق نفوذ"، حيث يدفع الأثرياء وأصحاب الصناعات المال لشخصيات سياسية نافذة داخل مؤسسات الحكم القوية، للتأثير في صنع القرار بما يخدم مصالح الأثرياء وأصحاب الصناعات، في نهاية المطاف، يبدو أن دولاً مثل، إيطاليا وكوريا الجنوبية، ينطبق عليها توصيف "كارتيلات النخبة"، التي يشكل فيها الأثرياء تحالفات واحتكارات تدير من وراء الستار صنع القرار في تلك البلدان.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لكن في دولٍ مثل، روسيا والصين وأندونيسيا، وأيضاً، بلدان الشرق الأوسط، فإن تصنيف "الأوليغاركيات والعائلات"، و"المسؤولون الحكوميون"، يجسد طبيعة النخب الحاكمة، وأشكال فسادها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في كتاب جونستون هذا، يصنف سوريا على أنها محكومة من نخبة "المسؤولين الحكوميين"، الذين يعملون داخل مؤسسات دولة ضعيفة، حيث نظام المحسوبية على مستوى كامل البلاد، وحيث يصبح ضباط الجيش والأمن يتحكمون بشركات واستثمارات ضخمة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في هذا النوع من البلدان، يكون للمسؤولين الحكوميين عملاؤهم الشخصيون، كالأقارب ورجال الأعمال والزعماء المحليين. وفي بلدان كهذه، تكون معارضة الفساد عملية خطرة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في سوريا، يُعتقد أن رامي مخلوف في نهاية المطاف، مجرد مدير أعمال لآل الأسد. كما أن رجال أعمال من قبيل، محمد حمشو وسليمان معروف وآخرين، مجرد واجهة لآل الأسد أيضاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في بلدان كهذه، حسب توصيف جونستون، يمكن للخصخصة أن تصبح استيلاءً على موارد الدولة، وسرقة واضحة لثرواتها. وتحصيل الضرائب، غير فعال، ويمكن استغلاله. ويكون الفساد مستشرياً، ومرتبطاً بالعنف.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لكن تصنيف جونستون لسوريا ضمن فئة البلدان المحكومة من "المسؤولين الحكوميين"، لا يفسر الكثير من الظواهر السياسية والاقتصادية التي عاشتها سوريا في عقد ونصف العقد من حكم بشار. قد يكون أنسب لتفسير عهد حافظ الأسد تحديداً، وقد يكون مرد ذلك إلى أن مايكل جونستون أنهى تأليف كتابه هذا في العام 2005، وربما لم يكن قد امتلك حينها المعطيات التي تسمح له بقراءة معاصرة للمشهد بسوريا، بعد خمس سنوات من توريث الحكم لبشار.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في كتاب جونستون، إن راجعنا سمات الحياة السياسية والاقتصادية في صنف الدول المحكومة من "الأوليغاركيات والعائلات"، نجد أنها تنطبق بشكل شبه تام على المشهد بسوريا خلال السنوات الـ 15 الأخيرة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في هذا التصنيف، تصنيف "الأوليغاركيات والعائلات"، تكون الأنظمة انتقالية، وتحصل عمليات تحرير اقتصادية، تشهد منافسة كبيرة لكنها ذات هيكلية سيئة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يُذكرنا هذا التوصيف بعهد عبد الله الدردري، نائب رئيس وزراء سوريا، الذي قاد أكبر خطوات الانفتاح والتحرير الاقتصادي للبلاد، في العقد الأول من القرن الحالي، وما رافقه من تدهور لمعيشة فئات كبيرة من الشعب السوري، خاصة في الأرياف.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يقول جونستون أن عملية تحرير الاقتصاد في هذا الصنف من الدول، يسمح باستغلال الفرص الاقتصادية المتنامية من جانب "الأقلية القوية" الحاكمة. وهذا تماماً ما حدث في سوريا في العقد الأول من حكم بشار، حيث استغل المقربون منه، وتحديداً آل مخلوف، وآل شاليش، وآل الأخرس (شقيق زوجته)، الفرص الناجمة عن التحرير المتسارع للاقتصاد السوري، واحتكروا كل شيء تقريباً. بل حتى احتكروا رجال الأعمال والصناعيين والتجار، وجعلوهم في قوائم خاضعة لسيطرتهم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كل ما سبق يبدو أنه معروف للجميع، لكن الجديد في توصيف جونستون، أنه في هذا الصنف من الدول، حيث تحكم الأقليات، يبدو أن الشخصيات الفاعلة يعمل كل منها بمفرده، ولا يتعاونون لوقت طويل، فالتنافس يحدث بشكل شخصي كثيف، بين عدد محدود من اللاعبين.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بكلمات أخرى، يقول جونستون أن الشخصيات الفاعلة في البلد، لا يتمتعون بالأمان نتيجة سرعة ونطاق التغيرات، والطبيعة غير المنظمة، والحجم الهائل، للمصالح المتنازع عليها، والعنف المتكرر.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وسط كل ذلك، تكون المؤسسات السياسية والاقتصادية هي الطرف الأضعف، ويصبح اللجوء للعنف، عبر جهازي الجيش والشرطة (الأمن)، مبرراً، ومتكرراً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كخلاصة، يقول جونستون، "النخب غير الآمنة، تكون شديدة الجشع والضراوة".</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هل ينطبق ذلك التوصيف على الأقلية الحاكمة بدمشق؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في خضم ما سُرّب من "وثائق بنما"، تم التركيز مراراً على أن حافظ مخلوف، شقيق رامي، وابن خال بشار، العميد في أجهزة الأمن، فرّ من سوريا إلى بيلاروسيا، عام 2014، بسبب نزاع داخل العائلة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يمكن أن يُذكّرنا هذا العزل لأحد رموز الدائرة الضيقة الحاكمة بدمشق، بالعديد من عمليات التصفية لرموز أخرى، شهدتها الأقلية الحاكمة هناك.. هل من داعٍ لذكر الأسماء!،.. يكفي أن نذكر آصف شوكت، الصهر القوي للأسد، الذي ما تزال الشبهات تحوم حول كيفية التخلص منه في عملية تفجير خلية الأزمة، عام 2012، والتي ما تزال سراً غامضاً، حول كيفية تنفيذها، والطرف المنفذ لها، حقيقةً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كخلاصة، يبدو أن إحدى الرسائل التي حملتها التسريبات المتوفرة من "وثائق بنما"، أن الأقلية الحاكمة بدمشق لا تشعر بالأمان. ليس منذ اندلاع الثورة عام 2011، فقط، بل منذ أكثر من عقد ونصف، حيث كان المشهد في دمشق يُوحي باستقرار كامل لحكم هذه الأقلية، في الوقت الذي كان فيه أحد رموزها يبحث عن ملاذ لتهريب الأموال إلى الخارج، وكأنه على ثقة بأن هذا الاستقرار مجرد لوح زجاجي ناصع اللمعان، سرعان ما يتهشم بضربة واحدة فقط.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المدن</strong></p>