بلاط الغرباء.. من دمشق إلى بواتييه
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"><span style="font-size:18px"><span style="line-height:1.6em">كما لو أنه صرخ قبل الحرب، وسط شارع اليرموك، قائلًا للناس: ستموتون من الجوع وهذا المخيم سيهبط فوق رؤوسكم، وسترون بعض جهنم من مصير، ثم حلق بجناحيه الأسودين عاليًا، وهو يقول لكم: سأعود</span><span dir="LTR" style="line-height:1.6em">.</span></span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"><span style="font-size:18px"><span style="line-height:1.6em">وقتها لم يصبكم خوفٌ ولا كنتم لشأنه تكترثون. بعدها بعامين أو أكثر، وفي رواية أبي عثمان التضامني عن أحد المقاتلين من "أحباش الحجر الأسود" عن طفلة من المخيم سمراء نحيلة حد الوباء، بلغ منها ما بلغ من تعب ويأس في الخامسة قالت قبل وفاتها بقليل: "أما أنا فالله يعلم ما فقدت، وأمي التي سبقتني إلى ديار الحق، وأبي المفقود سقطت صورته الأخيرة مع جدار البيت، وأخي الصغير فارقني بعد أن أعيا فؤادي من شدة الجوع، خذوا ما شئتم من صوري واجمعوا ما استطعتم من مال وابكوا خوف عام وأكثر، أما الآن فإن هذه ليست بلاغتي فأنا لا أجيد من البلاغة إلا الصمت وأني لا أشفق وأحزن إلا عليكم بعد هلاكنا". أخرجه العالم في وثائقي من خمسة أجزاء، وتكاثرت الروايات هل قتل عيسى قبل صليبه؟ أم أن أبا بكر دخل الجامع بقدمه اليسرى وجاز هذا من بعده؟ وهل سرعة الإنترنت في روما تكفي لاجئًا فلسطينيًا فقد أهله في البحر، ليحمّل ما تبقى من صور لمن رحلوا؟</span></span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"> </p>
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"><span style="font-size:18px">بالأمس قررنا الهجرة إلى القارة العجوز ووقعنا على بياض، تنازلنا عن حقائبنا المتأهبة للسفر وسلمت مفاتيح منزل جدي في حيفا إلى رئيس بلدية معركة بلاط الشهداء للجنرال المتقاعد واستلمت هوية لاجئ لا أجيد قراءة اسمي عليها<span dir="LTR">.</span></span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"><span style="font-size:18px"><span style="line-height:1.6em">أشتري خبزًا فرنسيًا باردًا وأجلس على كرسي قديم، مقابل نهر كلين، هنا في بواتييه حيث توقفت معارك جيوش المسلمين، على غوغل يقال إن المعركة كانت طاحنة واستمرت لأكثر من عشرة أيام، لا يشي المكان بتفاصيل حروب تاريخية وطاحنة مرت من هنا، وأنا هنا لا أكذّب غوغل، لكن في بلادنا لا يزال جدي الميت على سبيل المثال يحتفظ بفوارغ رصاص عصابات الهاغاناه، تلك الفوارغ التي احتفظت بإحداها في بيتي المقصوف في المخيم</span><span dir="LTR" style="line-height:1.6em">.</span></span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"><span style="font-size:18px"><span style="line-height:1.6em">عبد الرحمن الغافقي أمير الأندلس مات في المعركة أيضًا، مات الآلاف، أستطيع أن أتخيل الآلاف قتلى والجثث تملأ الوادي المقابل، قبل عام من الآن كنت أعبر بمشقة طريق آمنًا في دمشق خوفًا من شيء ما لا أعرفه، قبلها بعام أو أكثر اكتشفت "جبهة النصرة" في بلدة ببيلا أنني عسكري في جيش التحرير الفلسطيني، وقرروا إعدامي قبل أن يطلق سراحي عبد الرحمن قائد كتيبة "أحفاد الصحابة"، بعدما تذكر أنني جاره في الطابق الأخير قبل الحرب</span><span dir="LTR" style="line-height:1.6em">.</span></span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"><span style="font-size:18px"><span style="line-height:1.6em">بين عبد الرحمن قائد المسلمين في بواتييه وعبد الرحمن قائد كتيبة "أحفاد الصحابة" أكثر من 1400 عام، ما دفعني للتساؤل ما إذا كان الغافقي سيدعني أرحل فيما لو ألقى القبض علي وعرف أن اسمي أبو غابي في تلك اللحظة التاريخية وهو على أبواب أوروبا؟ ترى ما هو مصيري لو وجدني جنود قائد الفرنجة شارل مارتل، هل كان ليصدق حكايتي التي رويتها للتلفزيون الفرنسي عن العنصرية في لبنان وكيف نجوت من الموت يومًا لأنهم أعتقدوا أنني أرمني؟ غادرت ذلك الكرسي الرخامي الرطب، فالطقس أصبح باردًا وأنا غريب على رخام بارد</span><span dir="LTR" style="line-height:1.6em">.</span></span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"> </p>
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"><span style="font-size:18px"><span style="font-family:palatino sans w23">محمد نور أحمد - مغنٍ وكاتب من فلسطين/ سوريا</span></span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"><span style="font-size:18px"><span style="font-family:palatino sans w23">الترا صوت </span></span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: justify;"> </p>
<p dir="RTL"> </p>