شارع العرب في برلين .. كأنك في دمشق

قاسيون ـ فؤاد عبد العزيز

هو شارع يمتد على مسافة عدة كيلو مترات، ويتفرع عنه عدد كبير من الشوارع، يقع في وسط برلين، في منطقة توصف أنها الأفقر في المدينة، وتدعى "زينون آليه".

للحظة ينتابك شعور وأنت تدخل هذا الشارع، وكأنك انتقلت فجأة، من عالم إلى آخر.. يعزز في داخلك هذا الشعور، ما تسمعه من نداءات ولهجات، تستطيع أن تميز جنسية متحدثيها من العرب، والذين يغلب عليهم طابع بلاد الشام، من فلسطين ولبنان وسوريا..

 قال لي مرافقي إلى ذلك السوق، وهو من سكان برلين القدماء، بينما كنا نسمع في الطريق سيلاً من اللهجات السورية، من دمشق ودرعا ودير الزور وغيرها، "قبل عامين لم يكن الوجود السوري ظاهراً في هذا الشارع، أغلبهم فلسطيبنية ولبنانية من جماعة /حزب الله/"، -يقصد شيعة-..

 ثم تابع: "يتعاملون معنا بعدوانية عندما يعرفون أننا سوريون ومعارضون، لذلك لم نعد نتعامل معهم ونفضل المحال لأصحابها من الفلسطينيين وحالياً السوريين، الذين بدأوا بالانتشار في هذا السوق..".

ليس الفقر وحده الذي يميز هذا الشارع كما يحلو لسكان برلين نعته، بل طابعه الشرقي البحت.. وهو أهم من أن يوصف بالفقر.. فعلى طول الشارع تنتشر المحال العربية من كل الأنواع وبمسميات عربية كما لو أنك في دمشق.. بل أكثر ما يميزه هو حركة الناس في الشوارع، وهذه التجمعات لشباب على طرفي الطريق، وهم يتحدثون بصوت مرتفع، أو يندهون على بعضهم من بعيد بصوت عال، وينشرون الفوضى، فتقفز إلى مخيلتك صورة زعران الحواري الذين يتسكعون بحثاً عن الصحبة..

ينحسر وجود الألمان في هذا الشارع إلا عبوراً، والبعض الآخر جاء ليتسوق بضائع رخيصة، أو ليجرب بعض المأكولات العربية.. لكنه وجود غير ملفت، ونادر وغريب بنفس الوقت..!!

أخذ مرافقي يستوقفني أمام كل محل نمر من أمامه: "هنا تستطيع أن تتذوق كل الحلويات العربية كما لو أنك في الميدان وأبو حبل"..، استرقت النظر إلى داخل المحل.. فعلاً هناك ما يشبه ما كنا نراه في دمشق.. أسأله: "هل لها نفس الطعمة..؟"، وأردف: "حتى الآن لم أتذوق في أوروبا ما كنت آكله في سوريا، حتى في المطاعم السورية.. صحيح أن الشكل نفسه، لكن الطعمة مختلفة تماماً..!!".

نتابع مسيرنا، ونتوقف عند أغلب المحال مع شرح من صديقي، يخبرني فيه عن عدد المحال السورية التي بدأت تنتشر في هذا الشارع، ثم يعلق: "الكل هنا في السوق يخشى من تزايد الوجود السوري.. يعتقدون أنهم لديهم مغناطيس يجذبون فيه الزبائن.."، ويتابع: "السوريون يهتمون بتفاصيل صغيرة، كحلاوة اللسان في التعامل مع الزبائن، بالإضافة إلى النظافة التي لن تجدها في أي المحال العربية الأخرى..".

فروج المدينة، بيت المدينة، مناقيش المدينة، مطعم -الجنوب - عزام، بقالية عزام، صالون الملا، ملحمة الملا، الفرسان، المحمصة العربية، سفريات الوطن، سفريات الحنان، مقهى أم كلثوم، مقهى السلطان، مقهى السلام، مقهى الجواد، مقهى انفينتي، حلويات أم كلثوم، الأقصى للالكترونيات، خياط عربي، مطعم ومعجنات الضيعة، مطعم اكروم، سناك الساحة، كافتيريا ومرطبات يعقوب، جمعية المصطفى، مكتبة الأيتام الإسلامية، حلويات المنار، دليس سوبرماركت، عيادة د الترابي، فوتو فريد، صالون روتانا، حلويات الأندلس، العرب للطباعة والإعلان، محل الكترونيات، ماركت العائلة، سوق الشام للمواد الغذائية، ملحمة يوسف، بوتيك الحنان للأفراح، صالون ويب للرجال، فوتو ميديا، مكة للسياحة والسفر، صالون الوصال للرجال لصاحبه أبو الخير، مؤسسة طه وياسين الإسلامية لدفن الموتى، صيدلية موسى مسالمة، بابل للشرقيات، أزهار السلام، حلويات الجزيرة، صالون الأصابع الذهبية للرجال، مطعم أميرة، مطعم رزقة يقدم دجاج مشوي على الفحم، فيديو الشرق، محل تركيب ستاليت..

كلها محال تحمل أسماء عربية ومكتوبة باللغة العربية في شارع "زونين آليه"، كذلك محتوياتها كلها مواد غذائية منتجة في بلاد الشام، كما لو أنك في أحد أسواق دمشق التي تعج بالبضائع.. قلت لمرافقي: "لا بد أن الألمان منفتحين جداً كونهم يسمحون بالكتابة باللغة العربية على المحال التجارية بعكس باقي الدول الأوروبية الأخرى.. ولعل ذلك ناتج عن التجربة القاسية التي عاشتها ألمانيا الهتلرية".

في ذلك اليوم سهرنا في ملتقى ثقافي ومقهى سوري.. صاحبه فر من سوريا قبل نحو عام ونصف وقرر أن يفتتح ما يشبه الملتقى الذي يتجمع فيه السوريون.. تجد في ذلك المكان موسيقيين وفنانين ومطربين، وهواة لعب ورق الشدة ومدخني النرجيلة، كل مجموعة تلتئم مع بعضها وتمارس هوايتها، بينما الأسعار رخيصة جداً وتسمح لأن يرتاده كل من يشاء..

كان هناك شاب حلبي صوته جميل، يغني القدود بمرافقة عازف عود وآخر عازف إيقاع.. كانوا وكأنهم يجرون بروفة على حفل يريدون إقامته.. طلبنا منهم أن ننضم إليهم، فرحبوا بنا بكل سرور، وشعر المغني أننا لا بد وقد أعجبنا بصوته حتى قررنا أن نجالسهم.. كان يراقب رؤوسنا التي تميل مع غنائه للقدود والمواويل والموشحات، فيزداد تجويداً.. بينما أنا استريخت على الأريكة وأغمضت عيني في لحظة غياب وعي لذيذة.. فرت دمعة من عيني دون أن أدري عندما تذكرت أنني منذ ثلاث سنوات ونصف لم أعش هذا الشرق.. للحظة تخيلت نفسي في وسط دمشق، لكن سرعان ما أيقظني صديقي ليخبرني أنه يجب علينا أن نرحل قبل أن تتوقف وسائط النقل عن العمل..