الاقتصاد والثورة السورية

قاسيون ـ فؤاد عبد العزيز

كان هناك إحساس عام ، حتى لدى بعض النخب الحكومية ، أن البلد بعد العام 2008 كانت تسير نحو الهاوية في كل شيء ، فالصورة كانت واضحة بالنسبة للكثيرين ، أن النظام يستبدل السيطرة الأمنية على الشعب السوري ، بالسيطرة الاقتصادية . وتجلى ذلك من خلال عقد تحالفات مع رجال أعمال من كافة المناطق السورية دون استثناء ، وخلق مصالح لهم مع السلطة ، ومن ثم استخدامهم كأدوات ، في التحكم بلقمة عيش المواطن من جهة ، ولنهب خيرات البلد من جهة ثانية ، وتحويلها إلى الأرصدة الشخصية .

كانت السنوات بعد العام 2006 ، ثقيلة جدا على الشعب السوري ، بعد سنتين من الانتعاش ، استمرت من العام 2003 إلى العام 2005 .. فقد بدأت الأسعار بالارتفاع ، وأخذت الليرة السورية تفقد قدرتها الشرائية دون أن يتغير سعر صرفها بالنسبة للعملات الأجنبية ... فما الذي حدث في ذلك الوقت .. ؟

باختصار ، منذ منتصف العام 2004 ، قرر النظام أن يمارس دور الأب والذي كان يعيل جميع أفراد أسرته ، ثم فجأة تعرض لأزمة مالية ، وبدأ يطلب من أولاده أن يغادروا بيته وأن يتحمل كل منهم مسؤوليته الشخصية ، لذلك خرج النظام بخطاب جديد عبر رئيس وزرائه آنذاك محمد ناجي عطري ، يقول بأن الدولة لم يعد بإمكانها أن تتحمل الدعم على المواد الأساسية الذي تقدمه للشعب السوري ، وأنه لا بد من الآن وصاعدا ، أن يعتمد المواطن على نفسه في إيجاد مصادر دخل بعيدا عن الدولة .

كان لافتا في ذلك الوقت أن النظام لم يكن ينتهج هذه السياسة انطلاقا من فاقة ادعاها بداية ، بدليل أنه فتح باب القروض على مصراعيه لمن يريد ، بحجة أنها تتناسب مع دعوته الجديدة لأبنائه لكي يعتمدوا على أنفسهم ، وأنه ها هو يقدم لهم الفرصة لكي يبدؤوا حياتهم بعيدا عنه .

وخرج يومها المسؤولون الاقتصاديون ، ليعلنوا أن البنوك ملآى بالأموال ، وبالفعل تم تخفيف الكثير من الإجراءات والضمانات التي كانت مطلوبة للحصول على قرض ، والتي كانت محصورة سابقا بفئة محددة ، ثم أصبحت متاحة للجميع ..!

كانت الفكرة الجهنمية التي انطلق منها النظام في خطته لاستبدال السيطرة على الشعب السوري ، تتلخص بتوريطه بداية بالديون ، والتي لن تلبث بعد فترة أن تشكل عبئا على صاحبها ، فيصبح غير قادر على تسديدها والإيفاء بالتزاماتها من خلال الوظيفة الحكومية أو الأعمال البسيطة فقط ، وبالتالي لا بد في هذه الحالة أن يبحث عن فرص عمل جديدة وبشروط لا إنسانية ، كان النظام يهيئ لها من خلال رجال الأعمال الجدد ، الذين أخذوا يظهرون على الساحة تباعا وبأعداد كبيرة وضمن تشكيلات اقتصادية مريبة ، يقودها رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد بالدرجة الأولى ، وبعض رجال الأعمال المقربين والمتنفذين داخل النظام والمحسوبين عليه .

أما الخطة الثانية التي كان يهيئ لها النظام في تلك الأثناء ، فقد بدأها بالترويج لمشروع دولة جديدة ذات مزايا اقتصادية ، وادعى أنه تبنى في الخطة الخمسية العاشرة ، مهمة التحول إلى ما يسمى اقتصاد السوق الاجتماعي ، واستقدم لهذا الغرض ، شخصا مغمورا ، وكان يعمل صحفيا ، اسمه عبد الله الدردري ، وسلمه في العام 2005 ، منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ، وأوكل إليه مهمة الإشراف على تنفيذ الخطة الخمسية العاشرة ومن ثم الترويج لها ولشكل الدولة السورية الجديدة مع هذه الإصلاحات .

كان عبد الله الدردري " كلمنجيا " ، وقد أبلى بلاء حسنا عندما تسلم لسنتين منصب رئيس هيئة تخطيط الدولة قبل العام 2005 ، وأثبت الرجل جدارة منقطعة النظير في اقناع مستمعيه بالتوجهات الاقتصادية الجديدة للدولة ، وبأنها ستعود نهاية بالنفع على الشعب السوري وعلى قوة الدولة ، لكن ما على المواطن في البداية سوى تحمل الفترة الانتقالية التي سيسببها هذا التحول الجديد .

كانت سوريا بعد وفاة حافظ الأسد في العام 2000 ، تواقة للتغيير مهما كان شكله ، المهم أن لا يستمر الوضع على ما كان عليه ، وقد استثمر النظام هذه الرغبة على أكمل وجه ، لكن على طريقته الخاصة ، وبما يبقي قبضته قوية على الشعب السوري ، سواء على الطريقة الأمنية أو الاقتصادية .

ما حدث بعد العام 2005 ، أو بالتحديد بدءا من العام 2006 ، أن الإجراءات الاقتصادية الجديدة التي هدد النظام باتخاذها عبر محمد ناجي عطري وعبد الله الدردري ، بدأت تظهر نتائجها على الشعب السوري ، وانعكست عليه ، من خلال ازدياد حالات الفساد والمحسوبية ، وفلتان الأسعار ، وتضاؤل فرص العمل التي اخترع لها النظام ما أطلق عليه اسم مكاتب العمل ، إذ أنه طلب من كل عاطل عن العمل أن يقوم بتسجيل اسمه في هذه المكاتب ، والتي هي بدورها ، قامت بالطلب من الجهات الحكومية أن تحصر تعاملها معها في حال رغبتها بتوظيف ناس جدد لديها ، بصيغة العقود السنوية .. فانهال مئات الألاف من الشباب الذين سارعوا لتسجيل أسمائهم في هذه المكاتب ، وأخذوا ينتظرون السنوات من أجل أن تتصل بهم وترشحهم لوظيفة صغيرة في الحكومة .

لقد تبين أن هذه المكاتب ، لم تكن سوى وسيلة جديدة لإذلال الشعب السوري ، وهدر كرامته ، وتعليقه بآمال الانتظار .. وعلى جانب آخر ، كانت خيرات البلد تتسلل إلى جيوب النخبة الحاكمة والطبقة الطفيلية التي أوجدها النظام حوله ، ومكنها من لقمة عيش المواطن .. فأخذت الأسعار ترتفع بشكل شبه يومي ، وغابت الأجهزة الرقابية عن الأسواق ، بحجة السوق المفتوحة أنها تستطيع أن توازن نفسها من خلال التنافس بين التجار والمستوردين .. بينما في المقابل فإن هذه السوق لم تستطع أن تتوازن لأنه بالأساس لا يوجد متنافسين ، وإنما تم تقاسم الحصص بين هذه الطبقة الطفيلية ، من أجل أن لا يتنازعوا فيما بينهم ويضطرون للاضرار بمصالح بعضهم البعض ...

الكثير من المنظرين للثورة السورية ، كتبوا فيما بعد ، محاولين تفسير هذا الهيجان الشعبي الذي أطلق عليه الثورة السورية في العام 2011 ، والذي لم يكن للمعارضة أي دور فيه ، بأنه لا يمكن أن يكون ناتجا عن وعي سياسي ، وإنما كان محركه الأساس ظروف الفساد والإفقار والقهر الاجتماعي التي فرضها النظام على الشعب السوري ، وصولا إلى إخراجه بالكامل من معادلة ممارسة السلطة بأي شكل من الأشكال ، وتحويله إلى ديكور فقط في الدولة الاستبدادية .

ولعل من يتذكر الأيام الأولى للثورة ، يدرك هذه الحقيقة ، عندما خرجت الناس دون أن تكون قادرة على الهتاف بمطالبها السياسية ، لذلك كانوا تارة يكبرون ، وترة أخرى "يصفرون "..

وعندما بدأت مطالب الثورة السياسية تتبلور بعد نحو شهر على انطلاقتها ، عبر النخب التي تولت إيصال هذه المطالب للسلطة ، أحس الكثير من المتظاهرين ، بأنها لا تستحق حجم التضحيات المطلوبة منهم لتحقيقها ، لأن الحياة السياسية في سوريا كانت فقيرة ، إلى الحد الذي لم يكن أحد يعرف ماذا يعني إلغاء قانون الطوارئ ومردوده الاقتصادي ، أو ما هو بالمقصود بالحرية والديمقراطية وكيف يمكن أن تنعكس إيجابا على حياتهم المعاشية .. ولولا أن النظام واجه هتافاتهم بالرصاص والقتل ، لما كانوا أدركوا إطلاقا أهمية تلك المصطلحات السياسية المتضمنة في هتافاتهم ، وكيف أنها الأساس لكي يحيا الانسان كريما في وطنه ومتساويا مع الجميع في الحقوق والواجبات ، تحت سقف القانون .

خلاصة الكلام : يمكن القول أن أغلب مبررات انطلاق الثورة السورية ، كانت في جوهرها اقتصادية ، ثم بعد فترة وجيزة وعت الجانب السياسي وبأنه السبب في كل هذا الظلم والفساد الذي يتعرضون له .. وبعد ذلك رأت فئة دخيلة على الثورة ، أن سبب هذا الظلم ديني وعقائدي ، فلو أن حكام سوريا يؤمنون بالله عن جد لما ظلموا الناس ... وهنا دخلنا في "الحيط " الذي لازلنا نتصارع معه حتى اليوم ..