الهوية الملتبسة في زمن الأسدين

قاسيون ـ فؤاد عبد العزيز

تربطني علاقة ود وصداقة مع زملاء من طوائف متعددة ، كنا قد عملنا سوية ولسنوات طويلة ، ولكن عندما بدأت الثورة السورية مطلع العام 2011 ، تناثرت مواقفنا السياسية ، فمنهم من وقف مع النظام ، ومنهم من انضم للثورة وانتمى للمعارضة ، إلا أن كل ذلك لم يمنع من استمرار تواصلنا مع بعضنا البعض ، وإن على مبدأ الإبقاء على "شعرة معاوية" .

ومع تطور الأحداث ، وانتقالها إلى المستوى الدموي والتدميري ، لم يعد الموقف السياسي فقط هو من يفرقنا ، فقد اكتشف كل منا أنه ينتمي إلى طائفة معينة ، ولاحقا تبين أننا ننتمي إلى عائلات وعشائر وقبائل متنوعة ، فلم يعد الصراع مقتصرا مع المختلف معي سياسيا وطائفيا بل انتقل إلى المختلف معي في المرتبة الاجتماعية والقبلية .

هذا الوضع هو نتاج لعدة عوامل ، بدأت بعد التحرر من الاستعمار الفرنسي ، عندما عجزت الدولة السورية الوليدة في صياغة الهوية الحقيقية للشعب السوري ، فأعلنت وعلى لسان شكري القوتلي ، في خطاب ملتبس ، أن هوية سوريا عربية إسلامية ، مع احترام حقوق جميع الفئات العرقية والدينية الأخرى .. ثم عندما جاء حزب البعث إلى السلطة في انقلاب 1963 ، تحولت هذه الهوية الملتبسة إلى خطاب تعبوي ، ما لبثت بعد ذلك أن انتقلت إلى مستوى أخطر مع مجيء حافظ الأسد إلى السلطة في العام 1970 . الذي كرس هوية أكثر التباسا للشعب السوري ، وهي الهوية الحزبية .. فأصبح الانتماء إلى حزب البعث ، بحد ذاته وبما يحمله من أفكار قومية واشتراكية ، هو الهوية الوطنية للدولة السوري والشعب السوري .

مشكلة كل هذه المرحلة الممتدة منذ أكثر من خمسين عاما ، انها تجاهلت مفهوم المواطنة ، أو أنها حاولت القفز عليه ، بسبب أن ذلك من مقتضيات الحكم الديكتاتوري الاستبدادي ، لأن المواطنة تعني بكل بساطة ، أن جميع المواطنين وعلى اختلاف انتماءاتهم العرقية والطائفية والدينية والسياسية ، متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون ، بينما حافظ الأسد الذي كان ينتمي إلى أقلية طائفية في سوريا ، اختار الطريق الأسهل لتثبيت حكمه ومن ثم توريثه لابنه ، عبر الاعتماد على الطائفة في حماية هذا النظام ، مع خطاب سياسي خارجي بائس ، بأنه الضمانة لحماية باقي الأقليات في سوريا ، في وجه الأكثرية السنية .

الكل كان يعلم أن هذا الخطاب لا يمكن له أن يصمد ويستمر في بناء الدولة السورية ، وخصوصا بعد مجيء بشار الأسد إلى السلطة ، الذي كان مطلوبا منه أن يبدو مختلفا عن والده وطريقة حكمه ، لكن بنفس الوقت كان يتنازعه شعور أكثر أهمية ، وهو ضرورة الحفاظ على ما أورثه له أباه ، النظام وكرسي الحكم .

لم تكن الهويات الدينية والعرقية والطائفية ، وحتى العام 2011 ، هي الخطر الذي يتهدد النظام السياسي في سوريا ، أو على الأقل هكذا كان يعتقد بشار الأسد .. فهو ومنذ العام 2005 ، عقد تحالفات جديدة ومتينة مع طبقة رجال الأعمال ، مع مراعاة انتمائهم لمختلف الفئات العرقية والدينية والطائفية والمناطقية ، كما قرب إليه طبقة رجال الدين من الطائفة السنية ، وسمح لها أن تتوسع في أنشطتها ، ظنا منه أن ذلك سوف يحميه من احتمالات أي ثورة شعبية تقودها الأكثرية ...

لذلك عندما انطلقت أحداث الثورة السورية في العام 2011 ، أول ما قام به هو الاستعانة برجال الأعمال والدين لتهدئة الشارع ، وعندما وجد أن المطالب تطال نظامه شخصيا ، انتقل إلى العنف ومن ثم العنف المفرط ، وصولا إلى تدمير كل شيء ، عندما أحس بالخطر على كرسي الحكم .

الخلاصة التي نود الوصول إليها من العرض السابق ، أن ما نعيشه اليوم من إحساس ضيق بالهوية ، ليس نتيجة للسنوات العشر السابقة فقط ، وإنما يعود إلى بدايات تأسيس الدولة السورية ، والتي لم تستطع بلورة هوية جامعة للسوريين ، تجعلهم يتجاوزون فكرة الطائفة والدين والعرق ، إلى فكرة المواطنة … لهذا نقول ، إن الطريق لاتزال طويلة أمامنا للوصول إلى الدولة المدنية الديمقراطية .