التقارب الأردني مع النظام السوري وحرب النكايات

قاسيون ـ فؤاد عبد العزيز

تتسارع الخطوات الأردنية للانفتاح على النظام السوري ، وسط العديد من إشارات الاستفهام ، عن سر هذا التسارع ، وما الذي حدث بين ليلة وضحاها ، حتى تصبح الأردن ، عرابا لإعادة تأهيل بشار الأسد ونظامه ، بعد أن كانت من أبرز الداعمين للثورة السورية ، وحاضنة لأبرز غرف العمليات العسكرية على أراضيها ، بالإضافة إلى موقفها المعلن بضرورة تغيير النظام السوري .

رموز .. رموز .. رموز

الرمز الأول ، هو أنه لا يمكن فصل هذا الانفتاح عما جرى في المملكة مطلع الشهر الرابع من العام الجاري ، من أحداث تم وصفها بالفتنة ، وتورطت بها أسماء كبيرة ، بينها شقيق الملك ، الأمير حمزة ، وأحد أفراد الأسرة الهاشمية ، الذي يدعى عبد الرحمن حسن بن زايد ، إضافة إلى رئيس الديوان الملكي الأسبق ، باسم عوض الله ، المقرب من السعودية ، حيث لم يخف الملك عبد الله الثاني ، شكوكه بأن تكون السعودية متورطة بهذه الأحداث ، وهو ما صرح به ، لشبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية ، خلال زيارته لواشنطن ، منتصف شهر تموز \ يوليو الماضي ، عندما ألمح إلى أن باسم عوض الله "يحمل جوازا سعوديا ، وبأنه مستشار رفيع هناك " ، في إشارة مبطنة إلى احتمال تورط المملكة العربية السعودية في عملية "الفتنة" .

وبحسب الصحفي والمحلل السياسي "عمار أحمد العمر" المقيم في محافظة درعا، والمهتم بالشأن الأردني ـ السوري ، فإن هذا الحدث ترك ندوبا عميقة لدى الجانب الأردني ، الذي أحس بالطعنة من جيرانه السعوديين ، لذلك بحسب رأيه ، أن الانفتاح على النظام السوري ، جاء كردة فعل ، وربما نكاية بالسعودية ، التي تتخذ موقفا متشددا من النظام السوري ، ورافضا لإعادة تأهيله بأي شكل من الأشكال ، وتطالب جهارا نهارا ، بشار الأسد ، بالتنحي .

أما الرمز الثاني ، فهو الصعوبات الاقتصادية التي أخذ الأردن يعانيها، منذ مطلع العام الماضي ، نتيجة رفضه لصفقة القرن ، وما تلاها من ضغوطات اقتصادية ، من أجل إجباره على القبول بهذه الصفقة ، حيث رأى العديد من المحللين في حينها ، أن أحداث "الفتنة" في مطلع نيسان\ إبريل الماضي ، لم تكن لتخرج عن هذا الإطار من الضغوطات ، والتي ترافقت كذلك بتخفيض قسم كبير من المساعدات التي كانت تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية ، وبعض الدول الخليجية ، للأردن .

وبهذا الخصوص ، يقول "عمار أحمد العمر" ، إن الأردن يتطلع من خلال فتح الحدود البرية مع سوريا ، إلى تعويض جزء كبير من خسائره الاقتصادية التي تراكمت عبر السنوات السابقة ، أو تلك التي حصلت بفعل موقفه الرافض لصفقة القرن ، أو التي أوقفتها بعض دول الخليج ، مشيرا إلى أن السوق السورية كانت على الدوام بمثابة "مفتاح الفرج" للسوق الأردنية ، حيث يعتاش من عمليات التبادل التجاري بين البلدين ، آلاف الأسر في الجانبين ، سيما وأن المسافة بين معبر الرمثا من الطرف الأردني والجمرك القديم في درعا البلد ، لا تتعدى الـ 5 كيلو متر فقط ، ويمكن قطعها في اليوم عشرات المرات من قبل السيارات التي يطلق عليها "البحارة" .

وأعلنت وزير الصناعة والتجارة الأردنية قبل يومين ، وبالتزامن مع زيارة الوفد الوزاري السوري إلى عمان ، أن حجم التبادل بين سوريا والأردن يصل إلى 100 مليون دينار أردني " ما يعادل 150 مليون دولار" ، واصفة إياه بالحدود الدنيا ، لكن دون أن تحدد الفترة الزمنية لهذا التبادل ، إن كان يخص العام الحالي ، أم السنوات ما قبل العام 2011 .

وقالت العلي عقب الاجتماعات الوزارية الأردنية السورية ، التي جرت في عمان يوم الاثنين الماضي ، إن بلادها تتطلع لتطوير هذا التبادل ، عبر تفعيل المنطقة الحرة السورية ـ الأردنية المشتركة ، المتوقف العمل بها منذ العام 2012 ، مشيرة في تصريحات صحفية ، إلى أن "الجانب السوري وعد باستكمال بعض الإجراءات من أجل إعادة فتح هذه المنطقة ".

وفي سياق متصل ، رأى المحلل الاقتصادي ، "أحمد المسالمة" ، من درعا ، أن الحديث عن تطوير التبادل التجاري بين سوريا والأردن ، لا معنى له ، بمعزل عن المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج ، كون البضائع السورية ، لا تتطلع إلى السوق الأردنية ، سوف بوصفها أرض عبور إلى أسواق الدول الأخرى ، وعلى رأسها السوق السعودية ، مبينا بهذا الخصوص ، أن المملكة العربية السعودية ، وضعت في الأشهر السابقة العديد من الشروط ، التي يمكن وصفها بالتعجيزية ، فيما يتعلق بالمواصفات والمعايير ، للبضائع التي ستدخل إلى أراضيها .

وعبر "المسالمة" ، عن اعتقاده بأن هذه الشروط المعيارية السعودية الجديدة ، بالإضافة إلى عمليات التدقيق في البضائع القادمة عبر الحدود الأردنية ، يمكن اعتبارها كخطوة استباقية ، ضد أي محاولة تطوير للعلاقات الاقتصادية بين الأردن والنظام السوري من جهة ، ومن جهة ثانية ، فإن السعودية لا تخفي خشيتها، أن يتحول الأردن إلى ممر لعبور المخدرات من سوريا ولبنان .

أما الرمز الثالث ، فهو يتعلق بالشق الذي أعقب زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية منتصف الشهر السابع الماضي ، وما قيل في حينها بأنه طلب إذنا خلال لقائه الرئيس جو بايدن ، بالسماح بإعادة تشغيل خط الغاز العربي ، عبر استثنائه من عقوبات قانون قيصر ، بهدف تزويد لبنان بالغاز ، وبحجة إبعاده عن إيران .

وبحسب الصحفي والمحلل السياسي السوري "محمد الغالب" المقيم في باريس ، فهو يرى أن قرار فتح الحدود البرية والجوية بين الأردن وسوريا ، بالإضافة إلى ملف الطاقة ، مر على جثث السوريين ، في إشارة إلى أحداث درعا الأخيرة ، التي قام النظام من خلالها ، بشكل مفاجئ و مخالف لاتفاقيات التسوية في العام 2018 ، بفرض شروط جديدة على أهالي درعا البلد والمنطقة الغربية ، ومنها فرض سيطرته بالكامل عليها ، مع سحب كل مظاهر السلاح والتسلح ، مستخدما لتحقيق هذا الغرض ، القصف بالأسلحة الثقيلة ، والتي سقط على إثرها عدد كبير من القتلى في صفوف الأهالي .

ولم يخف "الغالب" ، خشيته من أن تكون المبررات الاقتصادية التي تسردها الأردن لإعادة انفتاحها على النظام السوري ، ليس إلا مقدمة ، لدفع العديد من الدول الأخرى للقيام بمثل هذه الخطوات ، وتحت نفس الذرائع الأردنية ، مشيرا إلى أنه على ما يبدو أن الاقتصاد أهم للكثير من الدول ، من إعادة التعامل مع مجرم ، ارتكب المجازر بحق شعبه ، ودمر بيوتهم وهجرهم .

ولفت "الغالب" إلى أن المدهش والمفاجئ ، هو تنازل الولايات المتحدة بهذه السهولة ، عن تطبيق عقوبات قانون قيصر، من خلال غض الطرف عن عمليات الانفتاح الاقتصادي التي يقوم بها الأردن على النظام السوري ، وسط غموض مريب ، بخصوص ما يجري في منطقة الشرق الأوسط ، وما هو مخطط لها في المرحلة القادمة .

يشار إلى أن وزير الداخلية الأردني ، مازن القراية ، أعلن يوم الإثنين الماضي ، إعادة فتح معبر جابر الحدودي مع سوريا اعتبارا من 29 الشهر الجاري ، بعد 57 يوما على إغلاقه نتيجة تطورات محافظة درعا.

وأشار إلى أن "القرار يأتي لغايات تنشيط الحركة ‏التجارية والسياحية بين البلدين الشقيقين ‏مع مراعاة الإجراءات الأمنية والصحية المطلوبة (...)".

وكان الأردن قد قرر في الـ31 من يوليو/تموز الماضي إغلاق المعبر ، نتيجة ما أسماه حينها "تطورات الأوضاع الأمنية في الجانب السوري".

وسبق أن أغلق معبر جابر ـ نصيب بين البلدين لمدة 3 أعوام، وأعيد فتحه في أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

وفي أغسطس/ آب 2020، أغلق الأردن المعبر مرة أخرى، بسبب ارتفاع إصابات كورونا المسجلة على الحدود، وأعاد تشغيله جزئيا مرة أخرى مؤخرا، معتمدا قيودا تضمنت نظام نقل تبادليا للركاب والبضائع (باك تو باك)، وبعدد 150 شخصا يوميا.