القمح القسدي يملأ صوامع الأسد

قاسيون ـ سائد شخلها

امتهن فلاحو المنطقة الشرقية في سورية، ومنذ الأزل، الزراعة لتأمين قوت يومهم حتى أصبح تعرف بالسلة الغذائية للبلاد بناتج يتجاوز ثلثي انتاج سورية من القمح والشعير ونصف انتاج القطن واكتفاء ذاتي من الخضروات، ولكن السنة حملت لأولئك الفلاحين أزمة قادتها إليهم قوات سورية الديمقراطية من خلال سلبهم محصولهم بأسعار فيها الكثير من الجور عليهم وتحويله لسماسرة النظام السوري، واغراق السوق المحلية بالدقيق المستورد من كردستان العراق، وبأسعار عالية نسبياً، ما زاد ثمن الخبر ومشتقات الدقيق.

وكانت الإدارة الذاتية قد أعلنت مسبقاً أن بيع المنتجات الزراعية سيتم عن طريقها لوحدها من خلال إدارتها الخاصة بتنظيم الزراعة، حيث سعرت ثمن كيلو القمح بـ 1150 ليرة سورية وهو سعر أقل بكثير من تكلفة زراعته أصلاً، ما جعل الكثير من المزارعين يرفضون بيع المحصول ومحاولة بيعه في السوق السوداء، والخروج بعدة تظاهرات بمناطق مختلفة انتهت بتفريقها واعتقال من قام بها.

قسد تضرب بقانون قيصر عرض الحائط

المحير في الأمر أن الإدارة الذاتية قد قررت توريد ذلك القمح للنظام السوري متجاهلة جميع القرارات الأمريكية بهذا الأمر خاصة قانون قيصر، والذي بموجبه فرضت على العالم عدم التعامل مع النظام السوري، بل وقررت عقوبات على كل من يخترق هذا القرار، ونقل الكثير من الناشطين وهو ما فسره لنا المحامي "ممتاز الحسن": بأن "قانون قيصر الذي أقرّه الكونغرس الامريكي بمجلسيه يوم 17 كانون الأول 2019 لحماية المدنيين السوريين، ولفرض العقوبات المناسبة على كل مَن يقدم دعماً مالياً أو تقنياً أو مادياً أو نفطياً للنظام السوري، أو إحدى شخصياته النافذة، وأخيراً لردع الأجانب عن إبرام عقود تتعلق بإعادة الإعمار".

وأكمل الحسن: "دعم النظام السوري بالقمح من قبل الإدارة الذاتية هو خروج صريح على أحكام قانون قيصر، خاصة في ظل المعاناة الشديدة من نقص الخبز في المناطق التي تخضع لسيطرتها، وقسد (الذراع العسكري للإدارة الذاتية) تزوّد النظام بالنفط منذ زمن بعيد ولم يُبدِ الأمريكان أي اعتراض، ولو أننا سمعنا شيئاً عن النفط كنا سنسمع شيئاً مثيلاً عن القمح".

وهو ما أكده المحلل العسكري والاستراتيجي زياد حاج عبيد حيث صرح بـ "التبادل التجاري يجري أمام قوات التحالف الدولي ولا تتدخل بذلك بنية تأمين الدعم المادي لمناطق سيطرة قسد وقوات التحالف لا تمانع ذلك ولا تضغط لتطبيق قانون قيصر أو تطبيق بنود العقوبات بحجة الوضع الإنساني المتردي في مناطق سيطرة النظام أما قسد فلا تستطيع الخروج من عباءة التحالف ولا التمرد على قرارات التحالف لأنه يعني نهاية مروعة لقسد في المنطقة".

كل الطرق تؤدي للأسد

بحسب مراقبون فإن الإدارة الذاتية تستخدم أكثر من طريق لتهريب القمح للنظام، جميعها مكشوفة ومعروفة للجميع حتى قوات التحالف الدولي التي بالكاد تصل لتلك المناطق وتراقبها، وهناك أكثر من معبر مائي بين ضفتي الفرات تصطف أمامه الشاحنات يومياً لنقل القمح والنفط وعدة مواد أخرى لمناطق سيطرة النظام، بينما يرى آخرون أن تلك الطرق هي للتمويه بينما الطريق الرئيسي للتهيب هو عبر معبر الهورة، والذي تستخدمه شركة القاطرجي المؤيدة للأسد والذي تعبره يومياً قرابة 4 آلاف شاحنة وبحماية من قوات الأشايس الكردية، بيما خرجت تسريبات منذ فترة مفادها أن قسد بالتنسيق مع القاطرجي ، طلبت تخفيض عملية نقل القاطرات عبر المعابر النهرية ومعبر الهورة وأصبح طريق ديرالزور الرقة-أثريا البري المعبر المعتمد لعبور قاطرات القمح أما المحلل العسكري والاستراتيجي زياد حاج عبيد فيقول: "يلعب قادة الميليشيات والتجار في إبرام العقود للنفط والغاز والقمح دور أساسي ومنهم القاطرجي وشركة سامر الفوز، وحالياً دخل على الخط المهندس محمد السعيد الذي يورد للواء القدس الفلسطيني".

ثروات على حساب المواطن

وفي الوقت الذي ذهب الكثير من المحللين الاقتصاديين إلى أن تهريب القمح للنظام السوري يضر بالحالة الاقتصادية لمزارعي المنطقة الشرقية، الذي أصبح يزرع بالدولار ويبيع بالليرة السورية، ويعزز من سطوة الإدارة الذاتية والنظام السوري على قوت الشعب، ذهب خالد التركاوي" وهو باحث اقتصادي في مركز جسور للدراسات إلى أن "لا شك أن عمليات التجارة لها فوائد لكل الأطراف التي يصل لها القمح، بمعنى آخر أن هذا القمح سيصل بالضرورة للطرف الآخر أي الشعب السوري في مناطق سيطرة النظام أو المعارضة أو أي منطقة أخرى يصل لها القمح، ولكن من المؤكد أن النظام السوري يخرج بمكاسب عن طريق توفير جزء من الموازنة، وكذلك الوسطاء الذين يحصلون على الكومسيون".

ليخالفه المحلل الاقتصادي أيضاً محمد الريس "عندما تشتري قسد القمح وتبيعه بثلاث أضعاف المبلغ الذي اشترته فيه فهي تمول نفسها على حساب افتقار المواطن وعندما تستورد الدقيق وتبيعه بضعف ثمنه فهي توغل في افقار المواطن أيضاً، ما يحدث في سورية اقتصادياً هو جزء من حرب ضروس تستهدف سحب كل القوة الاقتصادية من يد المواطن، ليد قوى الأمر الواقع وجعله متسولاً أمام جمعياتهم الخيرية".

علاقات مركبة

المعروف أن كلاً من النظام السوري وقوات سورية الديمقراطية يمتلكون مشروعين لا يمكن أن تكون متعايشة مهما حدث، ففي الوقت التي تسعى فيه قسد لمشروع عابر للحدود السوري أو في أفضل الأحوال للفيدرالية، يسعى الأسد ونظامه لإعادة البلاد تحت سطوته دون الاعتراف بمعارضة أو مكون آخر، ولكن ما يحدث من توافق فيما بينهم رجحه محللون أنه توافق آني قد يحمل في المستقبل تفجراً للوضع، بينما فسره آخرون بأنه وجه للتوافق الأمريكي الروسي في استمرار الحرب التي تستنزف سورية منذ عقد من الزمن، ليكون رأي المحلل "خالد التركاوي" أن "قسد لديها نقطتين أساسيتين من جهة نظري للتعامل مع النظام إن كان عن طريق توريد القمح أو النفط وهي: أولاً تمويل مؤسساتها، وثانياً التحكم ببيع وشراء السلع الاستراتيجية من أجل القيام بعمليات تفاوض مع النظام في المستقبل، ولا يتعدى الأمر ذلك".

ويبقى التبادل التجاري بين النظام السوري المدعوم روسياً، والإدارة الذاتية المدعومة أمريكياً، إن اعتبر وجه مبسط للعلاقات بين الدول العظمى ودرس يعاد مراراً وتكراراً بينهما، وعلى جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية وحتى القانونية، أو كان عبرة عن اتفاق أمراء الحرب على تحقيق مصالحهم حتى لو كان على حساب الشعوب المقهورة، يبقى بالنسبة للسوريين هو درس دفعوا ثمنه جوعاً وتهجيراً وهجرةً وحتى موتاً