loader

محمد مخلوف .. تاريخ حافل في سرقة أموال الشعب السوري

قاسيون ـ خاص

قد يبدو التطرق لسيرة ، مهندسة سرقة الاقتصاد السوري ، محمد مخلوف ، خال بشار الأسد ، الذي لقي حتفه اليوم بدمشق ، جراء إصابته بوباء كورونا ، عن عمر 88 ، بحسب ما أكدت العديد من المصادر الإعلامية ، قد يبدو طريفا ، لناحية الطرق الملتوية التي ابتدعها مخلوف ، للسرقة حتى من الأشياء التي لا يمكن السرقة منها ..

لكن المتأمل في سيرة محمد مخلوف ، وقصة صعوده الخفي ، بعد تولي زوج أخته حافظ الأسد ، السلطة في سوريا ، نهاية العام 1970 ، سوف يقف على محطات غريبة من حياة هذا الرجل ، وهي محطات تحسب له ، كونه استطاع أن ينفذ من بين سارقين كبار ، ينتمون إلى عائلة الأسد ، وبعضهم أشقائه ، والذين كانوا يريدون نهب كل شيء لصالحهم .. فكيف استطاع محمد مخلوف ، أن يحجز له مكانا بين كل هؤلاء السارقين ..؟

تقول الروايات ، إن محمد مخلوف كان يعمل في المؤسسة السورية للطيران ، في مطلع السبعينيات ، وقد توسط لدى أخته أنيسة كي يجد له زوجها موقعا أفضل ، وهو ما كان له في المؤسسة العامة للتبغ ، التي تولى إدارتها ، في منتصف السبعينيات من القرن الماضي ..

وهو منصب لم يكن يلفت انتباه أحد من عائلة الأسد ، والمتحفزين لسرقة كل شيء ، لذلك لم يعترض أحد من أشقاء حافظ الأسد ، على تولي محمد مخلوف إدارة هذه المؤسسة ، التي لم يكن بها شيء يمكن سرقته .

إلا أن مخلوف بذكائه ، استطاع أن يجلب وكالات الماركات العالمية للدخان ، واستيرادها حصرا عبر المؤسسة ، من خلال الحصول على أتاوات من هذه الماركات مقابل دخولها السوق السورية .

لقد استمر مخلوف في هذا المنصب لأكثر من عقد ، كانت الفترة الذهبية فيها ، خلال مطلع الثمانينيات من القرن الماضي ، حيث جنى أموالا طائلة لصالح جيبه الخاص ، إلا أن الأمور بدأت تسوء ، مع فترة الحصار الاقتصادي ، وانتباه أقرباء الأسد ، إلى نشاط مخلوف في تجارة الدخان الأجنبي ، فكانوا أن قطعوا الطريق عليه ، من خلال تهريب الدخان من لبنان ، على إثر قرار وقف استيراد الكثير من المواد إلى سوريا ، ومنها الدخان .

بدأ محمد مخلوف بعد منتصف الثمانينيات يضيق ذرعا بمنصبه في المؤسسة العامة للتبغ ، الذي لم يعد يجلب له سوى الهم ، بعد إغلاق كل منافذ السرقة عليه ، فتوسط من جديد لدى أخته أنيسة ، من أجل أن يبحث له حافظ الأسد عن موقع جديد ، وهو ما كان له في المصرف العقاري .

لقد شهدت الفترة التي تولى فيها مخلوف إدارة المصرف العقاري في سوريا ، سرقة الكثير من أموال هذا المصرف ، عبر منح القروض لمتنفذين كبار ، مقابل الحصول على حصة من القرض ، لا تقل عن 20 بالمئة .

استمر مخلوف على هذا المنوال ، إلى ما بعد منتصف العام 1995 ، سرق خلالها المليارات من أموال المصرف العقاري ، بالإضافة إلى الأراضي التي سرقها من أملاك الدولة بثمن بخس ، بحجة أنها لم تعد صالحة للزراعة ، ومن أجل إقامة استثمارات عليها ، مستفيدا من قوانين تتيح هذا الأمر ، أصدرها حافظ الأسد ، في منتصف الثمانينيات ، وأجبر وزارة الزراعة على التخلي عن الكثير من الأراضي في المنطقة الساحلية التي كانت بحوزتها ، لصالح ضباطه والمقربين منه .

بعد موت باسل الأسد في عام 1994 ، انتقل محمد مخلوف إلى مرتبة متقدمة ، أصبح يخطط فيها للاستيلاء على الاقتصاد السوري لصالح أولاده ، وعلى رأسهم رامي .. وهو ما كان له بعد العام 1997 ، بعد تفاقم مرض حافظ الأسد ، وتولي السلطة الفعلية في سوريا ، من قبل بشار الأسد ، الذي كان يدير الأمور من الخلف ، بمساعدة خاله محمد مخلوف ..

لقد تميزت تلك الفترة ، بسقوط أغلب السارقين الكبار من عائلة الأسد ، وتواريهم عن الساحة ، بالإضافة إلى البطش بنخبة الضباط المتنفذين ، بحيث أصبحت الأمور أمام محمد مخلوف ممهدة لتنفيذ خطته بالسيطرة على الاقتصاد السوري .

إلا أن الأمور لم تصل ليد محمد مخلوف ، سوى بعد موت صهره حافظ الأسد ، وتولي بشار الأسد السلطة في العام 2000 ، حيث سلم خاله على الفور مكتب تسويق النفط ، وأصبحت جميع عقود النفط في سوريا ، من تنقيب وبيع وشراء واستثمار ، كلها بيد مخلوف الأب .

وبالتوازي مع ذلك ، كانت رحلة صعود ابنه رامي قد بدأت بشكل ملفت للإنتباه ، عبر حصوله على درة الاستثمارات في سوريا ، ومنها عقد الخليوي ، والأسواق الحرة وغيرها من الأعمال المربحة ، ودون أن يدفع فلسا واحد ، ولكن كانت جميع هذه الاستثمارات عبر قروض من المصارف الحكومية .

واصل آل مخلوف صعودهم في سوريا ، بحماية من بشار الأسد ونظامه ، إلى ما قبل عام تقريبا ، عندما بدأ الخلاف يدب مع رامي مخلوف ، والذي انتهى ، إلى تجريد هذا الأخير من أغلب أعماله واستثماراته .

وتؤكد مصادر مقربة من النظام ، أن محمد مخلوف غادر إلى روسيا منذ العام 2015 ، واستقر فيها لكي يمضي ما تبقى من حياته ، إلا أنه اضطر للعودة إلى سوريا مؤخرا ، لفض الخلاف بين ابنه وابن اخته بشار الأسد ، وعلى ما يبدو أنه نجح في هذا الأمر ، والذي تجلى بتولي إياد مخلوف لإدارة بعض أعمال رامي ، ومنها الأسواق الحرة ، وشركة سيريتل ، بالإضافة إلى شركة الشام القابضة .

أخيرا ، إن صفحة فساد محمد مخلوف وأولاده ، يجب أن لا تطوى بموته .. بل يجب توثيق هذه الفترة بمنتهى الدقة ، من أجل محاكمة جميع هؤلاء الفاسدين مستقبلا ، وعندما يصبح الأمر متاحا لتحقيق هذا الأمر .