loader

تجليات في أزمة الحياة المعاشية في سوريا

قاسيون ـ خاص

وكأن النظام استقر على استراتيجية ، الاعتماد على السورية للتجارة ، في حل جميع المشاكل والصعوبات التي باتت تعترض مسيرة الحياة اليومية للسوريين ، من الناحية المعاشية .

وهو خيار يذكرنا بفترة الثمانينيات من القرن الماضي ، عندما قام حافظ الأسد باتخاذ نفس الاستراتيجية ، عبر المؤسسة الاستهلاكية ، من أجل مواجهة أشرس أزمة اقتصادية واجهت السوريين في ذلك الوقت ، وانتهت مع مطلع التسعينيات ، لكنها تركت ندوبا كبيرة في المجتمع السوري ، لاتزال آثارها مستمرة حتى اليوم ، وبالذات بالنسبة لمن عاصروا تلك الفترة .

إلا أن الظروف التي دفعت حافظ الأسد لخيار بأن تتولى الدولة مسؤولية توزيع المؤن على السوريين ، تختلف كثيرا عن الظروف الحالية ، وبالذات لناحية الضوء في نهاية النفق ، والذي كان ممكنا في الثمانينيات ، بينما اليوم ، يبدو الأمر أشبه بالمستحيل .

السبب ، أن موارد سوريا آنذاك كانت لاتزال ملك يمينها ، وكان الأمر يتطلب خطة للاعتماد على الذات ، وتطوير المشاريع الزراعية والصناعية وبما يخدم حاجة السوق المحلي ، ويوفر على الدولة مليارات الدولارات التي كانت لازمة للاستيراد .

أما اليوم ، فإن النظام قام برهن وبيع كل مستقبل سوريا ، وإمكانياتها الاقتصادية للروس والإيرانيين ، ولعشرات السنوات القادمة ، ما يعني أن خطة الاعتماد على الذات ، والشعارات التي يطرحها النظام في هذا الإطار ، إنما هي مقولات كاذبة ، هدفها التسكين من آلام الناس ، وجعلهم ينتظرون آملا لا يمكن أن يتحقق في المدى المنظور ..

تقول البيانات الرسمية ، أن حاجة سوريا من الرز المستورد سنويا ، لا تقل عن 70 مليون دولار ، ومثله السكر والزيوت النباتية ، أي أن الدولة بحاجة إلى مبلغ أكثر من 300 مليون دولار سنويا ، من أجل تغطية مستوردات هذه المواد ، والتي لا يمكن إنتاجها محليا ، كما لا يمكن استيراد السيء منها ، مثلما كان يفعل حافظ الأسد في الثمانينيات ، عبر استيراد سكر لا يصلح للاستهلاك البشري ومثل الزيت والرز .. ليس لأن النظام لا يريد ، وإنما لأنه لم يعد يوجد في العالم مثل هذه الصناعة السيئة ..

أيضا تقول البيانات بأن النظام بحاجة إلى استيراد أكثر من 800 ألف طن قمح سنويا ، تقدر تكلفتها بنحو 250 مليون دولار ، وهي مادة لم يعد بالإمكان تحقيق الاكتفاء الذاتي منها ، مثلما كان الأمر في الثمانينيات ، لظروف يعرفها كلنا ، بأن منطقة الإنتاج ، تسيطر عليها اليوم قوى بدعم دولي ، وهي لن تتخلى عنها في المدى المنظور كذلك ..

أما حاجة النظام لاستيراد المشتقات النفطية ، فهي تقدر سنويا بأكثر من مليار ونصف المليار دولار ، دون أن يكون هناك أفق لاسترداد حقول النفط من ذات القوى التي تسيطر على المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا ، الغنية بإنتاج القمح والقطن كذلك .

هذا يقودنا للقول ، بأن النظام يحتاج سنويا إلى مستوردات بقيمة تقدر بأكثر من 4 مليار دولار ، وبعض الأوساط تقول بأن المبلغ قد يصل إلى 7 مليار دولار ، بينما على صعيد الإيرادات المحققة من الإستيراد ، فهي بالكاد تصل إلى 200 مليون دولار ، وأغلبها عائد للقطاع الخاص ..

بدون شك صورة سوريا المستقبل شديدة القتامة ، وبالذات من ناحية الظروف المعاشية ، والحل ليس كما يروج النظام بأنه من خلال الاعتماد على الذات ، وإنما لا يمكن أن يكون سوى من الخارج ، عبر الاستثمارات ومشاريع إعادة الإعمار ، فهي وحدها اليوم الكفيلة بإخراج الاقتصاد السوري من ظلمته .. وهي الوحيدة التي يمكن أن تعيد الأمل لهذا الشعب الذي فقد كل شيء ، بما فيه المستقبل .